18‏/10‏/2008

بلادنا لم تعد تقوى على تحمل تكلفة هذه الدكتاتورية

تونس ظمأى حسا و معنى، كما عندما يعز الماء في أوج العطش حتى ليصدق في حالها القول "قطرة ماء خير من كنز". العطش الذي نعنيه، و الذي بلادنا تعانيه من أدناها إلى أقصاها في مدنها و في أريافها و في كل صوب ولدى كل فرد، لا يبحث عن ماء يبل الريق بقدر ما يبحث عما يشفي الغليل. يبحث عن شيء لا نعرفه و لكننا نحس أننا في أشد الحاجة إليه لترتوي عقولنا و تعود الروح لوجداننا. إنه التعطش للحرية.
ربما يضن البعض أننا نهذي هراء، و أن البلاد بعيدة عن الشعور بهذه الحاجة الإنسانية الخاصة بالشعوب الرقيّة. يعتقدون أننا مازلنا من ألائك الذين لا تعني الحرية بعد لهم سوى طعام يسد رمقهم أو رداءا يستر عورتهم و أننا لم نتجاوز هم البطون.
و لأننا وصلنا فعلا إلى مرحلة الحاجة الأكيدة للحرية، لا نشك في أننا سندركها. و لا يكفي لذلك مجرد الكلام و لا حتى الإضراب عن الطعام. بل أننا بحاجة إلى أن نعي الثمن الذي سنبذله من أجلها. لأننا حتما سندفع قيمتها كاملة غير منقوصة. و هل لنا أن ندرك قيمتها ما لم نعي قيمة ما نخسره من غيابها. و لماذا بقدر ما يرتفع صوتنا للمطالبة بها يزداد أعدائها إصرارا على غلق كل منافذها و إحباط ما بزغ من الأمل في تحققها؟
بالنسبة لبلد منتوجه الوطني الأول و أساس غذائه يتضاعف سعره في ظرف سنة رغم وفرته حتى تصبح اللتر الواحدة من زيت الزيتون تساوي أجر يوم عمل على الأقل بحساب الأجر الذي يعيش عليه عامة التونسيين لا شك أن غياب الحرية يقودنا إلى الجوع لا إلى تخمة الأغبياء كما يعدون.
و بالنسبة لبلد ينتج تقريبا بقدر ما يستهلك من البترول فتطبق عليه دولته مؤشر ارتفاع السوق الدولية كأننا غرباء من اليابان أو أمريكان لا شك أنه علينا الرجوع لمركباتنا المجرورة بالبغال و أن غياب الحرية سيقودنا إلى القنديل و الكانون عكس ما يدعون أننا متقدمون.
و الأمثلة من هذا القبيل لم تعد تحصى و لا عادت أسعار المضاربة و الاحتكار تحتاج إلى دليل أو تتسع لمقال في إجحافها بهذا الشعب الصامت الذليل الذي يكادون يعيرونه بأنهم يطعمونه بالسلف و التقسيط حتى صارت حاجتنا للحرية لا للدفاع عن حقنا في أن نأكل كما حدث في انتفاضة الخبز منذ سنين بل للدفاع عن أنفسنا قبل أن نفترس و نؤكل.
غلاء الأسعار الذي نخشاه ليس غلاء الخبز و الزيتون كما يتظاهر بالدفاع عنا بعض المتخلفين كشعب "مغبون". و لكن مؤشر الغلاء الذي فاق كل ما يمكن أن يتصوره العقلاء إنما أصبح يخص تكلفة الحاكم على المحكوم و الكارثة التي أصبح يشكلها كل مسئول في ضل غياب المعايير و احترام القانون.
ولسنا نقصد غلاء أجره؟ فهذا نحتمله و لكنه آخر همّه. فهل رأيتم في حياتكم مسئولا يطالب بالترفيع في جرايته أو يتذمر من مقابل خدمته؟ إن ما يزعجنا من تكلفة من يحكموننا أننا لم نعد نثق في جدوى عملهم بسبب إخفاقهم في الاضطلاع بدورهم لأننا صرنا نتحمل تكلفتهم دون أن نغنم شيئا من خدمتهم بعد أن أصبحوا رهائن ولائهم لمن نصبو أنفسهم أولياء لنعمتهم لا يرعون غير مصالحهم و لا يعتبرون غير ما يروق لهم و لا يأتمرون بغير تعليماتهم حتى أصبحت المسؤولية تذيل و تبعية حكرا على من تجري ساقه في الركاب نتيجتها الإفساد لمصالح البلاد و انتهاك وغصب لحقوق العباد.
و هذا الجانب ليس سوى الجزء اليسير من الكارثة الوطنية التي أصبح يشكلها أصحاب المسؤوليات في عصر الإقطاعية السياسية. فالمسؤولية لم تعد مجرد وضيف مقيد بشروط الخدمة العامة بل أنها أصبحت صفة خارج السلّم لا يطالها القانون تعرف أنها دائمة ما دامت الحضوة و مستثناة من أن يطولها أي حساب أو مراجعة لتقيدها بالإجراءات.
هذا الوضع الذي أصبح عليه المسئول خوله ما ليس من متعلقات خطته حتى أصبحت تكلفته تغطي ما تتكلفه زوجته و مطلقاته و عشيقاته و أبنائه و بناته و أبناء الزناء من خليلاته و أصهاره و أهله وعشيرته و أصحابه و أترابه وكل من يرغب أن يشمله بنعمته من عملاء و عيون و آذان يبثهم حوله لحماية مركزه و أسياده من ذوي الفضل عيه و رعاته يتملق لهم للارتقاء في منصبه بالعطاء بما يرضي منزلة الوجهاء عساهم يذكرونه رغم تفاهته وعلمهم بشراسة نهبه.
كل هؤلاء لا يشبعون للنهب دائما متأهبون هاجسهم الإكثار من تملك الربع و العقار و الفوز بالأسهم الرائجة في البورصات و غنم الصفقات و السفر ببلاش في المأموريات في ضاهرها لحضور المؤتمرات و الندوات وفي حقيقتها نزهات و جولات تسوق على حساب من ضاع منهم كنش الحساب. ألذ كسبهم المال الحرام و اغتصاب أرزاق الغلابا و الضعفاء باسم العدالة و حكم القضاء.
لا هم لهم سوى توضيف زوجاتهم و أبنائهم على حساب ميزانية البلاد في ما لا تؤهلهم لهم كفاءاتهم حتى أصبح صنفهم أصحاب جرايات بدون خطط أو مطلوب منهم خدمات يعرفون بحسن البلاء في توظيف صيت الآباء و التباري في غنم الشقق الفاخرة و البذخ في تأثيثها و عدد الضياع في الأرياف و منازل الاصطياف و السيارات الفاخرة الجديدة و إقامة الحفلات و السهرات النابضة بالأبهة و الرخاء نكاية في الحاسدين و الأعداء.
دعكم من شاعرية المقال وسجع الأقوال و انظروا حولكم أيمنا وجدتم مسئول، من أصحاب الحكم مقبول، يغالي في الولاء و تكال له عبارات الثناء إلاّ و اكتشفتم أنني قصرت في حقه و لم آتي بكل ما يليق لوصف وضعه و انظروا حالكم ترون أين اختفى ما ضيق عليكم سبل الحياة الكريمة، تعوزكم الملاليم و تؤثث أحلامكم المليارات و الدولارات. كلها أنياب و مخالب حولكم، أفواه ملهوفة و جيوب بلا قاع مفتوحة على النهب قدر المستطاع باسم حرية التجارة و الاستثمار و انفتاح السوق و عصر الازدهار و العولمة الاقتصادية و نجاح خطط التنمية العبقرية و لا يغركم المديح ما يحكم تجارتهم في سوقنا غير مباح.
هكذا تشكلت المافيات المختصة في نهب البنوك و تفليس شركات التأمين حيث تستقبل بالترحيب و تعطى ما تريد بدون ضمان أو كفيل و الكل يعلم أنها بلا رصيد و غير قابلة للتسديد بل ستعود لتطلب المزيد ( تراجع قائمة الديون الغير مستخلصة التي تسربت عن البنك المركزي). و بدأنا بتجارة الموز بخمسة دنانير الكيلو حتى اكتسحت تجارتهم كل الأسواق و انتشرت على الأرصفة و حواشي الطرقات تحميهم الديوانة من مراقبة الجمارك و دفع الأداءات و مصالح المراقبة الإقتصادية و البلدية من جميع الأتوات معفيون من الأداء عن الدخل و عن النشاط لأنهم ببساطة غير موجودون بالنسبة لكل العيون حتى أصبحنا لهم أعوان في ترويج ما يهربون يبنون لنا الأسواق المخصوصة في كل مدينة حتى يسهل حرقها كلما خف الطلب و لا نطمح لأكثر يجب و صارت المعامل تغلق لنتحول لباعة متجولين أصحاب الكردونة نفتك الرصيف متخصصين في رشوة أعوان الدولة و البوليس من لا نرتشيه يأخذ عنوة ما لا نعطيه و كل القضية تمثيلية هم يكذبون و يعرفون أننا نعرف و نحن نعرف أنهم يعرفون بأننا عارفون و لكنها مظاهر ضرورية حتى تبدو كأنها دولة صاحبة قانون و كأنها تطارد أصحاب التجارة المعفية و صدق من قال تجارة السلطان مهلكة للرعية.
نحن بحاجة لحرية التعبير لنقول كفى، لنضع النقاط على الحروف و نقول كل الأسماء نحتقر صحافة السفهاء المتكسبين بالأراجيف كما نكره صحافة التشديد و التخفيف من سماسرة السياسة و الساعين للرياسة ليدمو بأنيابهم في حق هذا الوطن بأشد مما حاق به من محن.نحن نريد كشف سوق الدعارة في هذه الأمارة و فضح المتواطئين من أصحاب المواقف الذليلة المتألهين بالظالمين و الطامعين في التحول على شاكلة هكذا مسئولين. نحن بحاجة إلى فضح أصحاب الإدارات العمومية التي حولوها لأكشاك قضاء الحاجات الخصوصية للمقربين و المحضوضين و لازدراء و انتهاك حقوق عامة المواطنين. نريد رفع الغطاء على السفهاء ممن يحتكرون المجالس في البرلمانات و القضاء و البلديات و النقابات و الأحزاب و الجمعيات و لا يتورعون عن الثناء على سياسة النهب و التضييق على المحرومين و الضعفاء و التشريع للفساد و التآمر على حقوق و مصالح العباد حتى لا يراودهم شك في ما نضمره لهم من احتقار و ما نعده لهم مهما طال الانتظار. حتى لا يبقى الكلام لمجرد الكلام لا بد أن يدرك كل أصناف هذه الأجلاف أننا لسنا نحن من يخاف لعل الناس يتنفسون الصعداء و يدركون أن ما نعنيه بالحرية ليس ما تلغو به بعض النفايات البشرية عسى أن يدرك أصحاب القرار أنه لم يبقى من معنى لهذا الحصار.عندما ندرك بجلاء التكلفة الحقيقية لهذه الدكتاتورية نعي جيدا ما يقتضيه ثمن الحرية لنعود بالخطاب لواقع البلاد و نواجههم على ميدانهم في كل ما يمضون و ما يقررون و ما يشرعون فتلك حقيقة الأسعار على ارتفع الأسعار و من المصلحة الوطنية أن نقولها بكل شفافية : بلادنا لم تعد تقوى على تحمل تكلفة هذه الدكتاتورية.
المختار اليحياوي
تونس في 23- جانفي 2006

ليست هناك تعليقات: