30‏/06‏/2008

قميص عثمان

******

أولى بك أن تمشي مرفوع الأيادي مطأطأ الرّأس وأنفك في التراب، لأنك لم تفهم أنك إنسان جدير بالاحترام والمواطنة، لأنك لا تريد أن تتحمل مسئوليتك التاريخية أمام أعلامك، وكأني بك لم تفتح كتابا لأبي القاسم الشابي ولم تقرأ أبياته القائلة:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

لأنك لم تفهم هذا البيت جيدًا، فمكثت خلف الباب خائفًا مرتعشا مقشعرًا، ولم تمض قدما مع رفاقك مطالبا رافضًا الذّل والحقارة... أولى بك أن تمسك بالمكنسة لا بالمسحاة، أولى لك أن تمسك بالمشط لتسريح شعرك، لا بالهراوة لتنشد الحرية والكرامة.

يا ولدي أنت فقدت الدّفء، الذي يبعثه فيك هذا الشاطئ وهذا الجبل وهذه الغابة وهذه الصحراء، لأنك لم تحب بصدق هذا البلد، وهذه الأرض التي ترعرعت فيها حتى صرت شابا بين سواعدها، أنت لست مريضا يا ولدي، ولكنك خائفا من أشباه الغربان فأردت الحياة وأنت فاقدها، تريد صبية وأنت تجهل المرأة، كيف ذلك وبيديك فشل وبعنقك حبل، كيف ذلك وأنت لا تعرف الورد الأحمر والياسمين بين يدَيكَ...
قلت ستهديها عطرًا، أيّ عطر؟ والعطر عرقً وأنت لم تحرّك ساكنًا منذ أصبحت شابًا، أنت لم تقل لا ولو مرّة واحدة...إعلم يا ولدي إنّ إبليس قال " لا " للرّب للإله لخالقه وأنت شلت شفتاك، وابتلعت العلقم، ومضيت في صبغ شعرك، تارة بالأسود و تارة بالأحمر، قلها يا ولدي، قلها لي وللسلطان. إعلم يا ولدي أنّ هذا الوطن ملكٌ لك، ولم يجد به عليك لا شيخ ولا حاكم ولا سلطان، وأنه لك ـ لك أنت منذ قدم لتاريخ، واعلم أيضا أن هذه الأرض أنبتت الورد والياسمين، وستنبت الإنسان الذي يستطيع أن يقول " لا ".

قلت أنك بخير والحمد لله، وأنّ لك درّاجة نارية، وصاحبة وبعض المال، وأن لك شعرٌ جميل وأنّك، وأنّك ستدخل الجامعة عمّا قريب، و ستصبحُ من حزب الدّيك. إعلم يا ولدي أن ابنك سيصبح من حزب الدّجاج، وأنّك ستموت بين القمامة، أما أنّك تتباهي بشعٍر جميل أسود، فعليك أن تفتح محلاً للحلاقة والتجميل. إذًا لا داعي بأن تدخل الجامعة، وأحرق جميع كتبك العلمية منها والأدبية إن كانت عندك. فمنذ
زمان لم أر بيدك كتابًا أو مجلة فكرية، إلاّ بعض صور فريقك المفضّل وبعض اللاّعبين الأبطال... اعلم يا ولدي أن في مكتبتنا يوجد كتب الفرابي والغزالي، وابن رشيق وجبران و المعرّي فكتور هيقو ومونتسكيو وزولا... أم أبطالك فهي أبطال من ورق، و لن يذكر التاريخ أحدًا منهم، فهم مهزلة أحيطت بك فأصبحت راقصًا مبدعًا.

إنّ أحلامك يا ولدي من فخّار مزركش، حتى وإن كان جميلاً فهو في الحقيقة بعيدا عن الصلب والصواب. قلت في المرّة السابقة أن العلم اليوم لا يستطيع أن يجعل من صاحبه رجلا محترما، غنيا وذا جاه، بل إن كل الأطباء والمهندسين هم أخسّاء فقراء، لا يفقهون شيئا سوى الكلام، ولا يحرّكون ساكنا وأن العلم بحث عن المجهول...

إعلم يا ولدي أن الطّبيب، أشرف وأقدر وأغنى من كل اللّذين تأخذهم أنت مثالا، فأنا أعرف أن أمثالك مالكي السيّارات الفخمة والمقاهي والملاهي وفرق الرّياضة. اعلم يا ولدي أنّ هذه الفئة هم مصّاصي الدّماء ولا حول ولا قوة لهم ولا سلطان أمام شعب أراد الحياة، اعلم يا ولدي أنّ الجاه لا يكون إلا لحاملي الفكر والأدب. ولك أن تعلم مثلا يا ولدي من أكثر المهندسين في العالم، وصاحب أكبر ثروة وصاحب مصنع السيّارات، المهندس " فورد "هذا الرّجل المبدع المهندس الخطير، مات دون أن يملك سيّارة و لا قطارًا و لا قصرًا، ولكنّه بعث الفرح والحب في كل من ركب في سيارة من صنع يديه، لأنه يحمل
فكرًا وأدبًا قبل أن يفكّر في المال، وهنا يكمن الفرق الكبير بينه وبين أمثالك، الذين لم يبعثوا الفرح في صدور الناس، لأنّ هذا المال ليس لهم وسيبقون خائفين مرتعشين حارسين على ثرواتهم، لأنهم ليسوا أصحاب فكرٍ أو أدبٍ، وإنّما حصل عندهم هذا الشيء بفعل فاعل، فتكون ثرواتهم بذلك غير شريفة وسيبقون دومًا ضدّ الحب و الفرح.. إعلم يا ولدي أنّه من لا شيء لا يحدث شيء...فبدون عمل جاد و حب لهذا العمل لن يكون الفرح... فلست بحاجة إلى مالٍ ليبعث فيك الفرح و الحب
والاحترام.
كما أُحيطك علمًا يا ولدي أن لا مستقبل لنا بدون علم . فأبي علمني، أنّ التاريخ لم يذكر الملوك والسّلاطين وإنّما ذكر الأطبّاء والمهندسين ورجال الأدب والتاريخ وكل المبدعين...
لقد قلت أنك لست بحاجة للتاريخ، ولا لأن يذكرك، فأنا أعيش اليوم ولا حاجتي لي أن أكون غدا، ولا حاجة لي بمستقبل شاقٍ...اعلم يا ولدي أنّه لا مستقبل بدون تاريخ، وما حاضرك إلا امتداد لتاريخيك، ومستقبلك ما هو إلاّ امتداد لحاضرك، إذًا أنت لا تريد الحياة بشقائها بفرحها بأحزانها و بحبها، أنت إذًا تريد الساعة... قل إنّها من علم ربّي..ولدي أتصوّر أنك بتفكيرك هذا ستصل إلى شيء خطير، وقد تصبح خطيرًا على نفسك وعلى كل المجتمع... يا ولدي إنّك تقترب من الإحباط، فأحذر يا ولدي أن تحبط، لأنّ هذا المجتمع لم يستطع أن يوفّر لك أحلامك، و لن يحقق لك شيء ممّا في رأسك...إعلم أنّ الإحباط يعني الانتحار... وبالتالي العنف وبالتالي الموت لهذا الوطن..أوصيك ثمّ أوصيك بأن تعقل جيّدًا ماذا يجري ولك...فإنّك ضللت الطريق...يا ولدي لقد حُجبتْ عليك الشمس والقمر و اختلط عليك شعبان برمضان، وعسر عليك الحال... يا ولدي احذر الطريق، واحذر لمفترقات، فإنّك لم تعد تفهم بين الحلم والأوهام... لن يعطيك أحدًا المفاتيح، ولن يجود عليك أحدًا ببيته، ولن يدخلك قصره... ولن يكون لك ذلك ما دمت عالما بذلك…ولدي الحبيب أطلب منك أن تكون طبيعيًا مطالبًا بالحرّية والكرامة، قبل أن تحلم بالقصر والسيّارة...لأنّه شرعي أن تطالب بكرامتك وحرّيتك...فهما اللتين ستضمنا لك القصر والمسبح، أمّا أن تجري وراء أحلامٍ من ورقٍ، فهذا خطيرٌ وأخيرًا ستصاب بالإحباط يعني الانفجار، يعني الانتحار يعني الموت، وتكون قد دُفنتَ مع القمامة.

إنّ توجهك غربًا دون معرفةٍ بصلب الأشياء فهذا أخطر، فقبل أن تشدّ الرّحال أودّ منك يا بني أن تدخل المكتبة وتتسلّح بالمعرفة والعلم، حتى تواكب الغرب، فبقدر ما تكون متشبثا بعروبتك وإسلامك، بقدر ما تستطيع أن تعيش في الغرب، أريد منك أن تكسب الثقة بنفسك، وهذه الثقة في النفس لن تجدها إلا بالمعرفة...لا تنسى أن تلقي نظرة على موسم الهجرة إلى الشمال كما أوصيك بأن تقرأ جمهورية قاسم... وحتى يكون الأمر جليا لك، إن الشعوب بعظمائها... كما تمشي الإبل وراء كبارها. غير أنّ عُظمائك حجبوا عليك بفعل فاعل، فوجب عليك إذًا... اكتشافهم وباكتشافك لهم تصبح عظيما مثلهم...واعلم أنّ في هذا الوطن الحبيب لم تعقم النساء وأنّ الزرع مازال أخضر، وفي الحقل نبات طيب وآخر قاتل...يا ولدي إنّ الخبر كلام،ٌ فتثبت في الخبر وقارنه وحكّم المنطق قبل أن تحرّك لسانك أو يديك... فصعبٌ أن تجد الحقيقة، فالحقيقة عندنا مازالت لم تترعرع، وقد تكون مبنية على أسس هزيلة.

إعلم يا ولدي أنّ الوطن قد يغتصب يومًا ما، وإعلم أيضًا أنّه يُمزّق كالخرق، فلا تدع أحدًا يقترب من الخطوط الحمراء إعلم أيضًا أنّ هذه الخطوط سطّرها التاريخ، وتجارب شعوب أخرى فهي مِلكٌ للإنسانية، ولا تكن حمارًا وتدوس عليها فإنّها تبعث الفرح والحب في قلوب الأطفال. إعلم أنّه ليس لا عدوّ لك في هذا الوطن وإنّ كل أعدائك إن وجدوا فهم بفعل فاعل، فكن يقظًا ولا تقف عند السفح، بل اذهب إلى الرّبوة وانظر بعيدًا، بعيدًا ستجد أنّ مقولة عدوٌّ عالم،ٌ خير من صديقٌ جاهل، قد تصدّق في بعض الأحيان ولا تتسرّع في أخذ قرارك، فإنّك قد لا تصيب، وإن أنت أصبت فلا تفرح بهذا كثيرًا، فقد تكون قد أدخلت الحزن على فردِِ لم يتبيّن لك في اللحظة نفسها، أو لم يكن لك به علم.

إعلم يا ولدي أنّ الجنين يجب أن يمكث داخل بطن أمّه 9 أشهر وهذا طبيعي، فهذا الوطن كالجنين يجب أن يمر بكل المراحل الطبيعية، ويمرّ بالأوجاع فكلما أردت أن تتدخل غصبا، فإنك فقد تجهض الحرّية قبل بلوغها، وأعطيك مثالا على ذلك، لقد حاولت بعض الدول الآسيوية أن تصبح اشتراكية غصبًا عنها، فعانت شعوبها من ذلك الأمرّين طيلة 70 سنة. وعندما اضمحلت الاشتراكية أرادوها أن تكون ديمقراطية فأجهضت مرّة ثانية، هذه الشعوب يا ولدي لم تمر بالتطور الطبيعي للأشياء...ففشلت وستفشل مرّة ومرّة أخرى...إلى أن يأتي الشيء منها... فالحرّية والكرامة يا ولدي شيئان يولدان في داخل المجتمع، و لن يجود بهما عليك لا قيصَرَ ولا فرعون، و أخيرًا ولدي الحبيب أودّ أن أقول لك: عش من أجل مبدأ، وابدع في عملك، وأحبّ وطنك، وأضرب في الأرض من أجل الحريّة و الكرامة.

وهكذا كنت قد اقتربت من موعد الامتحانات فشدّ الرّحال للسّفر، بين الدروس تثبت في البيانات والعلاقات المنطقية، حتى تستطيع أن تنجح بدون صعوبة، إن الحكمة في الفلسفة والقانون وفي الرّياضيات، فأربط الأشياء بعضها البعض فلا وجود لمادة منفصلة عن الأخرى، لأنّ العلم يا ولدي يشكل وحدة طبيعية، وهذه الوحدة تعني البحث في الأجزاء المكونة لها، فبمعرفتك لهذه الأجزاء الصغيرة تكون قد ضمنت لنفسك النجاح، وقد أوصيت الوالدة أن تسهر من أجل أن توفر لك كل الظروف المناسبة، حتى تصل إلى مرادك وكان الله في عونك، فإني لو كنت أفهم كثيرًا لما جلست إلى مكتبك، وأوضحت لك ما صعب عليك من تحاليل و تقارير. أمّا من الناحية المادية فلا أريد منك أن تفكر في ذلك، فستجد على مكتبك هذا بعضا من المال عند كل صباحٍ، فإني أودّ أن تكون من النجباء.

وهكذا فإنك لم تجبني ولو بالشكر، ولم تتكلم وكأني بك لم تسمعني، قد قرّرت مصيرك قبل حتى أن تدخل قاعة الامتحان...إعلم يا ولدي انك ولأوّل مرّة ستقف ولو لبعض السّاعات أمام نفسك بصدق، وتعرف بذلك مستواك وتتيقّن من دارتك... وبذلك ستكتسب الثقة بنفسك وتكون قد دخلت معركة الحياة... ليس لي ما أضيفه إليك هذه الليلة سوى البيان " وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" صدق الله العظيم.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحًا، لم أستطع أن أنام و لم تنم هي بجنبي، بل جلست إلى السرير فجلست إليها، وقلت البركة في يديك والحب في عينيك وإني أرى النجاح على صدرك، وأنه سينجح إن شاء الله ...فبكت حبيبتي ملئ جفنيها و نامت دون أن تقول شيئا، خرجتُ من البيت إلى الساحة وأشعلت سيجارة ومكثت في الهواء بعيدا بعيدًا، كنت أعرف جيدًا أنها تعلم أكثر مما أعلم ما بقيس: ابني وابنها... ولكنّها لم تحدثني أبدًا وكتمت كل شيء... أعرف جيّدًا قلب الأم، ولكن في نفس الوقت لا أستطيع أن أتحمّل أن لا يدخل ابني قاعة الامتحان، كنت هذا أتوقعه... دخلت البيت مرّة ثانية وثالثة، ثمّ خرجت ثم دخلت وفي الأخير فاتحتها في الموضوع قائلاً: ماذا يجري يا الوالدة رفعت عينيها إلى السماء، فأمسكت بيديها وجلست إلى ركبتيها، فقالت إنّه ذهب متأخرًا بحوالي نصف ساعة إلى قاعة الامتحان، لقد جلس في المقهى المجاور للمعهد ونسي البكالوريا لقد أخبرني صديقه...اشتدّ بي البرد حينئذٍ وسقطت النظارات، وتوقفت ساعتي على العمل، وأشتدّ بي الجوع والعطش، وارتبكت وأردت الخروج من البيت فلم استطع فتح الباب، فأغمي علي ّداخل غرفتي بين يدي حبيبتي.

في الصباح الباكر كانت قد جهزت السيارة للسفر إلى القرية عند والدي، أخذت مكانها إلى جانبي ولم تنطق بحرفٍ واحدٍ، كنت قد دست على مضغط السرعة وانطلقت إلى الأمام، دون أن أتكلّم ودون أن أشغل الراديو ودون أن أستمع إلى فيروز.
تركنا له البيت وخرجنا، لأني لم أعد أحتمل أن أتحدث إليه، لأني لا أحترم إنسانا لا يريد أن يقف لحظة صدقٍ مع نفسه، حتى يعرف من هو...بل من أنا أصبحت؟ و من أنا أمسيت؟ أنا المسكين... التفت إليها فقالت "عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم " صدق الله العظيم، قلت: صدق الله العظيم ولكن " لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" قلت " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" صدق الله العظيم. لم أجد شيئًا حتى أرد عليها سوى « فأمّا الزبد فيذهب شفاءً و أمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"صدق الله العظيم، قالت صدق الله العظيم.

كنت قد تجاوزت القرية ولم يعد لي بدًا في الرجوع إلى الوراء، فدعوتها لقضاء الليل في نزل صغير، حتى أذكرها بشبابها وأنسى هذا الحزن المفاجئ، وأقلب الصفحة من جديد وأمضي إلى الأمام، كانت لم تنم خارج بيتها منذ أكثر من ثمانية عشر سنة، و لم انم خارج بيتي، ولم أنم عند أمي ولم تنم عند أمها، كانت يدها باردة ووجهها أصفر، وغارت عيناها وانحنى ظهرها وكأنها أصبحت في الخمسين، قلت أتريدين كأسا من الشاي، قالت لا بل أريد أن أمشي قليلا، دعنا نمشي ليلا على الشاطئ اقتربنا من الشاطئ رويدا، رويدا، فجلست إليه وأخذت حفنة و شربت منه...كنت أعلم أن الماء مالحا إلى حد المرارة ...تناولت حفنة من الماء البارد وشربت منه... مسكتها من كتفيها حتى تقف بكل ثــــقة وعزيمة أمام الواقع، فبكت مرّة ثانية على صدري، حينئذٍ رجعت بها إلى النزل الصغير فنامت باكية، هذه الغرفة الصغيرة لا تحتوي على شيء يثير الانتباه...أخذت كرسيًا وجلست إلى هذه الشرفة الصغيرة متجها إلي غابة الزيتون، أشعلت كعادتي سيجارة وسحبت نفسا بعيدا، بعيدا، فمضى في الهواء راسما صورًا تشابكت تداخلت فتقاطعت فاندثرت، وأعدت الكرّة مرّة بعد مرة حتى نمت جالسا عند الشرفة...

نهضت كعادتها في الصباح الباكر واغتسلت، ووضعت أحمر الشفاه، فبانت عروسًا جديدة وزادها أناقة وجمالا هذا اللون الأبيض الناصع، أمّا عطرها فكان وسيكون نفسه منذ عرفتها صغيرة... هذا العطر الخاص كان إخلاص منذ ذلك اليوم الذي قابلتها في الجامع،ة وكنّا صغيرين وكانت ولا زالت أجمل من أمي ومن بلدي كانت...هذه أغنيتي المحبذة. لم أتعود المبيت خارج منزلي فكان ظهري يؤلمني وتكاثرت مساميره، فأسرعت حتى أصل المدينة وألتحق بعملي فإني أحيا من أجله ..أمّا منزلي فهو قلعتي، وحديقتي فهي جنتي ولا أكون أنا إلا بهما. فأنا لم أسق الورد البارحة وتركت الياسمين وحيدًا، ولم أجلس إلى تينتي ولم أحادث العصافير صباحًا ولم أشتم رائحة الأعشاب، فهي تناديني، ومضت ساعة أو بعضها ووجدتني أمام حديقتي، وفتحتُ لها الباب فقد عودّتها أن لا تفتح الباب من جهتها، نزلت بهدوء فابتسمتُ لها فقبلتني على خدّي، تركتها وشأنها أمام منزلها وذهبتُ إلى الجامعة، كنت يومها أوّل مرّة أذهب إلى عملي دون أن أكون قد جهزت الدّرس.أتمنى أن يهدأ هذا البركان الذي أشعر به في داخلي، وأستريح بعض الشيء حتى أستطيع أن أنام، وأستطيع أن أقوم بعملي على أحسن وجه، كما أتمنى أن تكون زوجتي بخير، فقد تأثرت كثيرًا، ولعلها تكون قد عدلت على الإنجاب بعد إنجابها لهذا البطل.

عند المساء رأيتني راجعا إلى القلعة، إلى منزلي إلى الحرّية إلى حديقتي، إلى التين إلى الزيتون إلى الورد إلى الياسمين فهم بانتظاري جميعا، أمّا زوجتي فأعرف جيّدًا أني سأجدها عند الباب، ولن تدخل إلا عندما أكون قد جهّزت لها باقة من الورد و ورق التين والعنب و الزيتون، وكانت قد احتفظت بعدّة منها، فجففتها تحت أشعة الشمس ووضعتها قرب مكتبي وفي بعض زوايا المنزل. جلسنا إلى طاولة العشاء كالعادة، ولم أنطق بحرف واحدٍ ولم أسأل عن هذا البطل الكرتوني، أمّه أيضًا لم تحدثني عنه، أين ذهب؟ ماذا أكل و كيف نام البارحة... غير أني اشتممت بعض الرائحة الغريبة، ذكّرتني بالحشيش فوقفت فزعًا و فتحت شبّاكي قاعة الأكل والمطبخ، فقلت لها هل اشتممت رائحة كريهة قالت نعم و لكن لم أعرف طبيعتها... أليست هي رائحة دخان قلت إنها رائحة الرذيلة والحشيش... لقد جاء بهم إلى هنا إلى بيتنا... الآن هنا في بيتي، لقد جاء بالجريمة إلى منزلنا و تناول الحشيش والخمر... و لربما أتى ببعض العاهرات...فإني شممت شيئا آخر في دورة المياه، إن عطرك أعرفه جيدًا، أمّا هذا العطر فهو غريب عنّي...لقد جعل البطل من قلعتي ملهى، وتجاوز بهذا كلّ حدود اللّياقة، ولم يفهم ما معنى الحرية ولم يرحمنا ولم يشعر بنا... لقد داس على الكرامة، لقد دنّس منزلي ولا أعرف ماذا أفعل معه...فقلت: لزوجتي أن نخرج مرة ثانية ونتركه هنا، قالت لا بل يجب أن نفهم نحن بأنه ما زال صغيرًا، قلت 18 عشر سنة يعني مازال صغيرًا فمتى سيكبر ويتحمّل مسؤوليته... طلبت مني العفو والنسيان و ستكلّمه في الموضوع بكلّ هدوء وأن لا أتدخل وأن أنسى كلمة "اعلم"...حالمة كل الحلم أنتِ وسأترك لك هذا الموضوع بكل بساطة، علّني أتمتع بنوع من الراحة في هذا البيت. هل تستطيع زوجتي أن تحادث أبنها في عدّة مواضيع متشعبة، وهل سيقتنع هذا الأخير
بوصايا أمّه، أغمضت عيني مستلقيًا على السرير وقلت " أتمنى أن لا يكون قد تعوّد على الحشيش فهذا أمر خطير"، وبانت لي صورًا بشعة ومستقبلا قد أصبح متهما يومًا ما أو شريكًا في تناول المخدّرات.
دخلت عليّ وكنتُ أنتظرها بفارغ الصبر حتى أتحدث إليها، فلم أجد لي سميع منذ زمان، جلست إلى جواري و قالت أنّه لم يتناول الحشيش بل يبيعها، فنهضت كالمسعور قائلاً هذا أخطر يا صاحبة البيت، وقرّرت أن أحدثه بنفسي وطلبتُ منها أن لا تتدخّل هذه المرّة. جلس إلى مكتبه في كامل الثقة بالنفس، ووضع أمامه ميزانًا ورأيت على المكتب عدّة أقراص بيضاء:حدّثني، ماذا أنت فاعل بنفسك، بي و بأمك.... حدثني عن أي شيء و ماذا تريد ـ هذا بيتي هذا منزلي وليس خمّارة وليس حانة و قد دنسته، كيف تسمح لنفسك بأن تفعل هذا في بيتي، في هذا الزمن. وقف وقال لأنّك لم تفهم شيئًا، فبدون مال وفير أو أصحاب من ذوي الجاه وذوي الوزن الثقيل لن تصيب و لن تصل إلى الفرح و الحب، منذ سنة كاملة و أنا أبيع و أشتري الحشيش و لي أكبر شبكة مخدّرات و لي مناطقي و استراتيجيتي و لي أحلامي و إني أخرج من بيتك فقد كنت اشتريت بيتا كبيرًا لم تحلم به أنت و كتبك و كرامتك و حرّيتك، أنت يا والدي تعيش في زمن مضى من زمن و لّى...... الماء يجري من تحت قدميك و أنت مازلت تؤمن بحرمة البيت و بيت القصيدة و هلم جرّ...... و أني خارج من مقبرتك هذه و لتعلم أيضًا إني لقاض على أمثالك و لقاطع للأيادي التي تقف أمامي و أمام مناطقي. أنت وحش يا ولدي، أنت سبع بانت أنيابه و إني لن أوشي بك للحكام و لا للسلاطين و لكني طالبٌ منك أن تتخلّى عن عملك هذا فأنك متورّط حدّ العنق و ابحث عن سبيل لخلاصك قبل الطامة الكبرى.

أنا للطامة و ما بعدها، أنا الوحش و السباع من فصيلتي و هذا الوطن جعل من أنيابي بارزة و من مخالبي حديدًا فابتعد عن طريقي و ابتعد عنّي فلولا أمي لما قضيت على أمثالك، أنت السبب في كل هذا....... و إني لأ شاكرك... لأني اتمنّع بالجاه و المال و العباد. و إن لي من النساء ثلاث و السيارات ثلاث و القصور ثلاثٍ. لم أكن اعرف هذا ولم أصدّق ما سمعت إلا عندما أخرج من جيب مكتبه كيس من الأوراق النقدية و كيسًا آخر من الحشيش....... ماذا أفعل و المجرم في بيتي و المجرم ابني و قد يكون له علاقات لا حول و لا قوة لي بها. خرج من المنزل فتنفستُ الصّعداء و عدتُ إليها و لم أحدثها عن شيء فقالت ماذا أنت فاعل بابنك قلت لا شيء سوى قد أكون و تكونين متّهمة يوما ما وقد نقضي ما تبقى من العمر في السجن.... و هذا من أجل الحشيش...... اللّهم فأشهد فإني بريءٌ..... و إني لأتبرّأ من ابني ومن أفعاله مرّت الأسابيع وفرغ البيت و حنّت أمه إليه و كثيرا ما تدخل إلى بيته و تقول كان هنا.......كان صغيرًا ملاكًا لاعبًا ضاحكًا مبتسمًا كامل الوقت.......إني فقدته و فقدت فلذة كبدي و لا أستطيع العيش بدونه........ قلت يا أمّ قيس إما أن أكون غبيا جاهلاً متخلفًا لا أعرف الخير و الشرّ و إمّا إني افهم و أعقل جيّدًا ما يجري حولي.. إن ابنك اختار طريق الشرّ و الإجرام إن ابنك تحوّل إلى وحشٍ،إلى سبعٍ في هذا الغاب و ذلك لأنه أقتنع بأن كل المفاهيم الإنسانيه من صدق و حرية و كرامة لا تعني بالنسبة له شيئًا....... فقد أرسى ما في رأسه من شبكات و أصحاب لا علم لنا بهم فماذا تقولين و هل تعقلين أنّ لا خيار لي إلا إنّي أتبرّأ من ابنك و لن أريد أن يدخل عليّ بعد اليوم... فأنّي مقتنع تمام الاقتناع بمبادئي و تفكيري وإني لن أتنازل على كتابتي و عن قناعتي، ذلك هو السبب الذي من أجله أعيش.......... لا من أجل امرأة و لا من أجل ابنٍ و لا من اجل مال.. إنّي أعيش من اجل حروف وجمل كتبت قبلي و في حاضري وستبقى أبدية لن أريد أن أناقش معك هذه المواضيع ثانيه فأنت تعلمين جيدا من أنا.

مرّت سنة، و لم نره و لم نسمع به و لم نسمع خبرًا عنه فهو المجهول بحدّ ذاته... ولم اقرأ الصحف منذ زمن لأنها خاوية، حتى من الجريمة، و كأنّ الزمن لم يعد ذلك الزمن حيث أنك تجد بعض المقالات و بعض الجرائم التي قد تدخل عليك بعض التساؤلات إلا أنّ هذه الأيام لم تعد الصحف كعادتها بل امتلأت بالصور العارية و بعض رؤوس أقلام على الرياضة.. أمّا أمّه فهي تشتري كل يوم الجرائد باحثه عن خبرٍ ما ، عن صورة ما عن مجرم ما.... فهي تعرف جيّدا أنها قد تكون متّهمة يوما ما..... ليس هذا فحسب بل أنها تعتقد أن لا حياة لها بدونه. و تواصلت الأيام و الليالي ولم تتوقف الأرض على الدّوران و لم تحجب عنّا الشمس....... و القمر كعادته مستديرًا.. و حديقتي أزدادت جمالا و التين أينع و العنب أخضرًا و عصافيري كثيرًا ما تزقزق صباحًا و الياسمين زاد عبقًا،..... فقلت لما لا لأطلي هذا البيت أبيضًا و أشتري كلبًا و أسميه قيس اسم ابني فإني أعرف وفاء الكلاب و وفاء الأبناء، و عدلت عن قصة الاشتراء بل حدّثتُ صديقي عن الموضوع فأعلمني أنّ بضيعته يوجد كلب صغير في حين رأيتني بين الهضاب و الرّوابي و السّهول أفتّش عن قيس و كم هو جميلٌ لم يتجاوز بعد الأسبوع الأوّل من فصيلة "سان برنار" مبقع بالأبيض على صدره، تناولته في حضني و قلت له أنّك حللت أهلا و نزلت سهلا، ما دمت حيًا فأجابني بعينين كاد الدمع يتساقط منها......نعم، نعم يا قاسم.......، فرحت فرحًا لم أرى مثله منذ سنين.. و رجعت إلى البيت بسرعة البرق حاملاً الخبر و الضيف لزوجتي. دخل علينا إذا هذا الضيف الجميل ـ هذا الضيف الصغير، فرحت به هي الأخرى و قالت ماذا نسميه قلت.... لقد سمّيته و لا تعارضي لو تسمحي قالت لا تقل لي قيس قلت بلى قيس الكلب....... لم تُحاول زوجتي و اقتنعت بدون جدالٍ و قامت في اللحظة و أحظرت له الحليب، شرب الحليب كالطفل الصغير وأقترب منّي و جلس طالبًا الدفء فأخذته في حضني و لعبتُ بشعره الناعم، فنام قيس في سُباتِ عميق أمّا زوجتي فقد أحضرت له فراشه قرب الباب و وضعت بعض الماء قربه...نمت هذه الليلة ملئ جفني وأحسستُ براحة كبيرة، بل حدثني صباحًا بأني ابتسم عند نومي و كثيرًا ما تكلّمت... إن كنت أعطيتُ قيس الابن الأمل فأني سأهدي قيس الكلب السفر...رويدًا، رويدًا أصبح يشتدًّ عظم قيس و بانت أنيابه و بانت مخالبه و اشتدّ جماله و قررت أن أحفاظ على هذا الشيء الجميل على هذه الهدية، فعوّدته على أكل رأسٍ مصلي كل يوم... لم تمضي3 أشهر حتى أصبح قيس الكلب أجمل كلاب الوطن و أشتدّ ذكاءه الفطري فأخذت جميع كتبي و قرأتها عليه وكم أعجب بكتاب المدينة الفاضلة للفرابي و كتاب الأم لقوركي ...أصبحت لقيس عادة المكتبة و عادة الاستماع للموسيقى و عادة المشي و أصبحت له مواعيد كبيرة مع الحرّية و العزّة و الكرامة... فازدادت بذلك حديقتي جمالاً و طلع العنب مرّتين، و التين لم ينقطع طول السنة، أما الياسمين فزاد عبقا و العصافير تغنى فيروز و أم قيس اشترت له عقدًا من الذهب كتب عليه اسمي و اسمها. لقد أردت من قيس الكلب أن يصبح حارس الحرّية و حارس العدالة حارس الكرامة حارس المواطنة حارس المكتبة و حارس الآلات الموسيقية حارس المدرسة و حارس قلعتي، و قد أفلح في ذلك فقد نجح في كل الامتحانات و بامتياز، في القفز في السرعة في البحث و حتى في الحب، هذا الكلب ليس كالكلاب هذا إنسان بدون لسان هذا كاتب بدون ورق هذا سلطان بدون سلطان لقد أزداد عزمي أكثر و أكثر و أصبحت أحب الحياة كل يوم و أستيقظ باكرًا حتى أخرج معه و أحاكيه بل أصبحت أنتظر حديثه و مداخلاته داخل حديقتي.

إنّ قيس الكلب لا ينبح كالكلاب العربية الأخرى فهي تنبح بدون مبرّر لأنها لم تتعوّد على الإنسانية و لا على الحرّية و لا على الكرامة فهي تزعجني كثيرًا و خاصة ليلاً عندما أكتب.. أمّا قيس فلم أسمعه و لو لمرّة واحدة نابحا أو صاخبا بل كلّ كلامه بذيله و أذنيه و كأنه يعرف إني لا أطيق كلام الكلاب و خاصة كلاب الشوارع التي قد تأتي على الأطفال و النساء بدون سبب إلا لجوعها أو لكَلَبِها، و كم طلبت من السلاطين أن تكبح جماح كلاب الشوارع و تخلصنا منها و لو في آخر الأسبوع حتى يغنّي الشارع و يلعب الأطفال و ترقص النساء... في هذا الزمن العقيم حكمت الكلاب الشوارع و البوّابات و حالت دوننا و دون الحريّة ودون العزّة و الكرامة... فمتى نقضي عليها و نستريح متى تنزل المطر ...متى أرى الرّبيع مرّة أخرى و ثانية. أن حديقتي لم تعد لتسع كتابتي وعبق الياسمين لم يصل بعد إلى الأرياف و القرى حيث الكلاب المسعورة و الفلاح الفقير، متى تنزل المطر فتكون بردًا و سلامًا و يكبر الشجر و تشجر الصحراء و تخرج الخرفان للمرعى و تزقزق العصافير في وطن دون ربيع... كنت أكتب و أحكي في نفس الوقت و قيس إلى جانبي فكلما سمع كلمة حرّية، كرامة وقف كالأسد واضعًا يديه على مكتبي فأمسح على رأسه بيدي اليسرى قائلاً: إنّي سأهديك السفر.. إني سأهديك الحبّ و القمر... يغمّض عينيه الباكيتين دومًا و يحرّك ذنبه و يجلس إلى قدمي و فأنزع حذائي احترامًا لقيس الكلب و كم من مرّة التف حو لهما حتى يعطيني نوعًا من الدفء ـ إخلاص كل الإخلاص حب لم أتصوّره في حياتي إلا مع قيس الكلب لا مع قيس الابن و مضت سنة كاملة و قيس معي ملئ عليّ الدنيا حبًّا و احترامًا و كتبت أجمل قصائدي وأعدت ترتيب مكتبتي و طليت البيت بالأبيض للمرّة الثانية و قرّرت السفر إلى بلاد أخرى مع قيس...وزينب عندما رجعت من عملي متعبًا كعادتي، فتحت باب الحديقة ومضيت أجمع باقة الزهور، فخرج قيس و نبح مرّتين، انزعجت و خفت عليه من صوته، إنّ بقيس ألم فذهبت إليه و هو بالباب مستقيم القامة بارز العينين و لم يحرّك ذنبه كعادته، اقتربت منه فوقف في صدري و كاد يسقطني أرضًا و لحس على كتفي، كانت يدي مرتعشة فقلت له ماذا
حدث... ما بالك، فسبقني إلى الصالون، دخلت إلى القاعة شاكّاً، و كأن شيء يحدث أو قد حدث، ألقيت نظرة على التلفاز ، فبانت لي قبّعة عسكرية عليها شعارٌ و خيوط، قلت لا شيء بل وقفت جامدًا إلى مكاني دون حركة و أنصبَّ عليّ العرق مدرارًا و قلت لقيس: أهرب و لا ترجع فقد يقبض عليّ اليوم و أنك ستبقى حارسًا للكرامة و الحرّية، ارتبك قيس واتّجه إلى الباب و لم يفهم شيئًا من كلامي، أمّا وجهي فقد حفظه على ظهر قلب، أردت أن اخرج أنا أيضًا و لكن و الورد في يدي، أبيت أن أسلّم الباقة الأخيرة لحبيبتي فقلت بصوتٍ عالٍ: هل أنتِ في البيت....... إليّ يا أمّ قيس، أين أنتِ فإنّ البرد قد تمكّن بي في قامة خالد بن الوليد أو قامة حمزة خرج قيس الابن أمام أمّه من المطبخ في بدلته العسكرية المزركشة بالنجوم و الخيوط، و غاب شعره الناعم و دخلت عيناه...فقال أبتي أهلاً و سهلاً قلت أهلاً والبيت بيتك و الأم أمّك و لكن من أين كان لك هذا..كيف أصبحت و كيف أمسيت، قال بكل هدوء، كما ترى ضابط السلطان و أسهر على الأمن و أضمن الحرية و الكرامة و العدالة، و هل لم يتبين لك هذا.. قلت بلى... و لكن كيف هذا و أنت لا تفقه القانون و لا تفقه الحكمة، أبتي إّني ضابط وليّ الحصانة و أنا القانون نفسه فالقانون أصبح من قوانيني و الحرّية و العدالة من اختصاصي، تحدثني على الحرّية و أنت تأكل و تشرب.. تحدثني على العدالة و أنت تقبض كل شهر جريتك.. على آخر مليم أليس هذا هو العدل..العزة قلتُ... و الكلب قيس من اسمي......... دخل قيس الكلب ووقف جانبي ضدّ قيس الابن، جئت لأستودع أمي لأنّي نويت السفر إلى الغرب حتى أتعلّم القبض و العتق و الجوسسة و كيف أحكم البلاد، بالعدل، سأقوم بعدّة تدريبات في إجهاض المظاهرات و ضرب المخرّبين و تقزيم الثورة و بث الخوف بين الناس حتى يطيعوا أولى الأمر منهم، و لأعلمك انّك مستهدف و قد حدثتُ أمّي في موضوعك و لولاي لما كنت في السّجن منذ أيّام و لكن لن أستطيع أن أقف مكتوف الأيادي أمام أمثالك فإنّك بمقالتكَ تزعج رجال الأعمال و الطلبة والتلاميذ، فأطلب منك و لآخر مرّة أن تعدل على كتابتك في الحريّة والعدالة، و قد جئت أيضًا أطلب منك أن تمدّني بجواز سفرك فأنت ممنوع من السفر إلى بلاد أخرى........... لم أرض أن يأتي ضابط آخر حتى يأخذ منك الجواز بالعنف، فأردت أن أقوم بهذا الشيء بنفسي.

أنا لن أعطيك جواز سفري و لن أتراجع عن كتابتي و لن أسحب مقالتي... و قل لسلطانك إني أموت من اجل الحريّة و الكرامة و إني سأكتب إلى أن تحمرّ القمر و
تبيضّ الشمس و لست عادلاً و لو على حرفٍ أو ورقةٍ و صفحة من صفحاتي و اعلم أيها الضابط أنّك و أمثالك و سلطانك لا شرعية لكم، و أنكم تحكمون البلاد بالعنف و "العنترة و الغورة"........... وأني لواقف أمامكم من اجل هذا الوطن و أطفاله، و لن تستطيعوا تدجين كل العباد و أنكم قد أصبحت عورة علينا أمام شعوب العالم... قل لسلطانك أيضًا أنه لا وصاية علي لا من ابني و لا منه... و إني أحتقر الوصاية الداخلية و الخارجية أمّا جواز سفري هذا فهو شرعي و بما أنني مواطن فلي كلّ الشرعية أن أتحرك و أسافر و أتكلّم و أحلم. و إن أردتَ أن تأخذه عنفًا فإن قيس الكلب سيطردك من بيتي هذا....... و اعلم أيضا يا قيس الابن أن كان سلطانك من جماعتك و جماعة الحشيش فقد خرب الوطن من رأسه فلا تستطيعون أن تحكموا وأنتم سكارى، وحتى و إن كنت لا تتناول الحشيش فانّك مجرم في نظري أمّا سلطانك فهو الشيطان بنفسه و لن يقدر على البناء و التشييد، بل أنتم قادرون على التخريب و التعذيب... و اعلم أيضًا وقد يكون لك هذا الدّرس
الأخير. أن سفرك إلى الغرب لكي تدعم وصايته علينا فهي أخطر من شرب الحشيش- و كلما كان السلطان ضعيفا داخليّا كلما كبرت الوصاية الخارجية علينا.... و كنتم بذلك قد بعتم الوطن أرضًا بحرًا عبادًا و قطعانًا ففي أيّ شيء ستحكمون و لمن ستبيعون...فهل تتصوّر يا قيس الابن هذا الوطن بدون عباد، بل أصبحوا أشباحًا و أكداسا من الرمال فهم هجروا المدارس و الجامعات و المعاهد و الكليات، هجروا المقاهي و الملاهي و حتّى السوق.. فما ترونه في الشارع ليسوا عبادا، بل هم دمى متحرّكة...والرجل ليس رجلاً إلا في بيته لقد سمعتُ أحدًا يقول لأبنه لا تخبر زملائك بأنّ أباك يرفض القمع والتخريب... يا قيس الابن أنت كالعادة لم تفهم بعد شيء فأردتَ ببذلتك هذه أن تُدخلَ عليّ الخوف.. لا، قيس، لقد علّمني والدي ضبط النفس و إني لا أخاف من أشكال السلطان.... وكلكم متورطون في بيع الحشيش و المخدرات و حتى وإن حكمتم اليوم فسيأتي يوم و يُقضى عليكم واحدًا بعد واحد... أمّا الآن فأخرج من هنا و بسرعة قبل أن يرديك أرضا قيس الكلب...، أما سلاحك فحاصر به حصارك، فإني لا أخاف الرّصاص و البندقية... فقد علّمني والدي حمل القلم و لغة الضّاد الأبدية...سجّل يا زمن، فالواجهة على مصرعها قد فتحت فأمّا أن أُواجه و أمّا أن أركُع للإخطبوط...الحربُ في بيتي و مع ابني فبمن سأحتمي أبطلبتي أم بجيراني أبِقلمي أم بقيس... .يجب أن أعدّ العدّة للحرب كلّفني ذلك ما كلّفني فأنا مهدّد في وجودي و حياتي، أن حريتي قد اضمحلت و كرامتي في انحدار ....إني محاصر و أشتدّ علي الخناق ولم أعد أكتب الشعر و الحبُ و أصبحتُ أكتبُ الحصار و الفتنة:

خذ مائة و خمسون ألف مليونًا و أرحل
خذ نسائك و أرحل
خذ ما أردت و أرحل
فلا وطن لي غير هذا القبــــــر.... إرحل.
خذ ما شئت... خذ العنب و الزيتون و أرحل.
خذ الورد و الياسمين و أرحل.
لا حديث بعد اليوم أرحل.
لن تحاكم... لن تدخل السجن مثلي تفضل........... ارحل.
اركب... لن يمسك لا يوسف و.......... لا عنترة
ابني لك قصرًا عند قيصر ............... اتجه بحرًا
أم أنّك تورطت و لكن تهجر
ورّطوك و لن نعفو .......... ولن نرحم
و كتابك في انتظارك
عند قبرك تفضل............
كلبا تموت و كلبًا ترحل.

إنّها الفتنة الصغرى بين الأب و ابنه.. اليوم عندي و غدا في بيوتكم فقفوا من أجلكم و من أجل أطفالكم من أجل نسائكم و بناتكم من أجل حرّيتكم و كرامتكم- من أجل إنسانيتكم-لا أطلب منكم أن تقفوا معي لأنّ عدوّي ولدي و ابني و إني لواقف إليه بالمرصاد و ما وقوفه أمامي بهذه الصلابة إلا لسجودي أنا. فهو لا يفهم اللّغة التي أتكلمها والتي تعني المنطق.

يجب أن أتكلم لغتهم لغة الخبث و المراوغة لغة الكذب و النفاق و إني لفاتح كل المقالات الكاذبة و الكتب الفاسدة لأتعلم هذه اللغة و أضربهم بها.. و لأشتري رقعة من الشطرنج لأتمرّن على الهجوم و الكرّ و الفرّ. حتى أقضي على السلطان.
لقد اقتنعت أنّ السلطان و جماعته لا يفهمون و لا يجيدون علم الكلام و المنطق و من أين كان لهم هذا و هم لم يدخلوا الجامعات و الكليات.. خاطب القوم بما يفهموك.. إنّها حربي أنا، و قضيتي أنا، و أريد منكم تمشوا رافعين الأيادي و لا ترفعوا حجرا ولا تكسروا بلورا و لا تمسّوا شجرة و لا قطيعًا.. كل يوم أخرجوا إلى عَملكم رافعين الأيدي واضعين على أنوفكم و شفاكم قطعة من القماش الأبيض و لا تتكلموا ولو بحرف.. تكلموا إلا داخل بيوتكم مع أبنائكم و نسائكم، أمّا في الشارع و المقاهي فَضِعوا كماماتكم فلا داعي للحديث و عن أي شيء ستتحدثون لم يبقى للحديث مكان في هذا الوطن.. فالسلطان سيكون سعيدا بكماماتكم و سيقف لكم إجلالا عندما يراكم رافعين الأيادي.

أمّا الحرب عندي فقد بدأت و قد خضت أول مقابلة لكني فشلت و سأعيد الكرّة على
هذه الرقعة.. و قد عدلتُ على السفر.. و لن أسافر بعد اليوم إلا إلى قريتي و لما لا لأزور كامل الوطن وأتحدث إلى شيوخكم وأتحدث إلى الفلاحين..لا، لقد كثر الوشاة.. لا، لم تعد لي ثقة بأحد فابني خان و خانني، خان الحرية و الكرامة خان اليد التي أكرمته خان الأرض التي أنجبته. فمن منكم سيصون الأمانة إلا قيس...قيس هذا الكلب الصديق الحنون الوفي فأنا أقول له إن بيني و بينك وطن –بيني و بينك صدق و محبة و سنبدأ في هذا العمر المتقدم بالتمارين الرياضية فيجب أن أكون مستعدا.. وقف قيس.. و جرى أمامي.. فأصبحت أجري معه كل يوم... و كل يوم تزداد المسافة.. و كنت قد أقلعت على التدخين فتحسنت صحّتي و رجعت إلى أيام كنت قد فقدتها منذ زمان و أحسست بارتياح كبير داخل صدري و لم يعد ظهري يؤلمني كعادته في ما مضى.. أما قيس فأصبح يزن قرابة المائة رطلا و بان صدره.. صدر الحرية و الكرامة فعلمته الوثب و المهاجمة و التربص بالعدو.. أتقن قيس كل التمارين و لم يعد ينبح منذ حوالي سنتين- أما أمّ قيس الابن فلم تعد قضيتها العزة و الكرامة بل قضيتها أصبح المرض... مرضت حبيبتي مرض ألزمها الفراش فقمت بدور الممرّضة و مازالت تشكوا من مرض قد يؤدي بحياتها.. منذ أيام طلبت مني أن أراسل ابنها حتى يأتي ليلقي عليها نظرة و تحتضنه ولو لدقائق ففعلتُ و أرسلتُ رسالة إلى السلطان قلت فيها "أمّا أمّك فقد تنتقل إلى جوار ربها.. و قد طلبت منك أن تأتي لتحتضنك لبضع دقائق و تعطيك الوصية" أخبرتها بما فعلت فتبسمت قليلا و قالت هل سيأتي ابنك.. قلت إن في اعتقادي...- ولم أواصل الحديث بل كتمت عنها الحديث...لأن في خالدي بل في خلدي يجري الانتقام و يدور الموت لأني قررت قتله و لو أمام أمّه... لم أحدثها بما يجري في ذهني و إني لمتربص به.. وقد عوّدت قيس الكلب الوثوب على كل عسكري أو ضابط يدخل البيت و علّمته كيف يقتل بأنيابه وضعت له ضابط من القماش و قد أتقن عمله جيّدا... يموت ضابطً وتحيى أطفال أبرياء و ينقذ الوطن من مخالب حادّة.. فطلبتي أصبحت تحشش و جارتي الصبية وجدتها مرمية أمام منزلهم لا تتحرك.. لم يكن هذا موجود قبل وصول ولدي إلى السلطان.. هذا المجرم هذا الوحش، خدر الناس جميعا، ليس فقط بالحشيش بل بالخوف، فالناس كلهم يخافون ابني و السلطان.. وحدثني بعض الماردة أنه يجب أن أكون يوميا فخورا بقيس، قلت أما قيس الكلب فنعم أما الضابط فبيني و بينه سدا...دعاني صديقي إلى الذهاب إلى الصيد معه في نهاية الأسبوع فتركت قيس في المنزل حتى يقوم بعمله كممرض و حارس و رأيتني أحمل سلاحا بين يدي و لأول مرة وكم أعجبتني الطلقة الأولى في الهواء - و الثانية في الشجر فقلت لصديقي علّمني كيف أتقن الصيد فقل لك عين من الميزان.. تثبت في الفريسة وانظر إليها جيدا وكن واثقا منها و كن هادئا وبارد الأعصاب... أطلق ...أطلق فأطلقت فأصبت الأولى و الثانية.. أمسكت بالبندقية و لعبت بها فأحببتها.. و لا داعي أن أحدثكم ماذا
دار بخلدي فكانت الفرئس ضباط والرصاص حرّية و الخراطيش كرامة...و صديقي طفل صغير ينشد الحرية و العزّة و...فرحت اليوم فرحا شديدا.. فقد تعلّمت شيئا كبيرا.... حمل السلاح مع حمل القلم.

رجعت أدراجي أودّ أن ألقي نظرة على الوجه البشوش، فتحت الباب و جمعتُ كعادتي باقة الياسمين مزركشة بأوراق التين و أغصان الزيتون، غير إنّي لم أرَ قيس في الباب في انتظاري و عم سكون على البيت لم أشعر به من قبل.. هذا السكوت يزعجني يقتلني يرميني في بطن الأرض و يدفنني و مضيت أجمع الأوراق الخضراء، غير مبال بحركة الشارع... لا... شيء غيرُ عاديً يجري حولي، اشتممت رائحة الموت... اشتممت رائحة موت حبيبتي... دخلت مرتعشًا باردًا عرقًا إلى غرفتها، كانت جثة هامدة يدها عكشت على عنق قيس الذي لم يفارقها.. هذا مشهد ليس كالمشاهدِ هذا موت ليس كالموت.. لماذا فارقتني.. لماذا لم تقل لي أنّ عزرائيل قد يزورها هذه الليلة... امتدت على فراشها كالفراشة الجميلة أمسكتها من يدها و خلّصت قيس من قبضة الموت و امتدت إلى جانبها طالبًا الصّفح و السماح... و لم تسمعني حبيبتي و لم تشعر بوجودي.... فأغلقتُ عينيها بيدي اليمنى و مسحت على شعرها باليسرى.. ألمٌ أي ألمٍ يرتادني... فراغٌ أي فراغٍ يسكن بداخلي.. باقة أي باقة.. باقة من الموت....يأخذها و يتركني.. كان يجب عليه أن يأخذني أنا هذا الموت... هذا الموت الجامد الساكن الخائن زارها في غربتي.. زارها عندما خرجت من البيت و لم يستحي.. لقد خانني الموت.. هذا الموت الخائن أخذ مني حبيبتي بدون رجعة... من أنت أيها الموت من تكون أنت المجهول...... لهذا فاجأتني و فجأة زينب.. أزينب هل تعلمي إني لقاتلٌ للموت نفسه و لآخن لك بالثأر منه، و لن تموتي من قلبي ما دمت حيًا.. واعلمي إني لدافنك في حديقتي و إني لواضع على قبرك غصنًا من الزيتون و غصنا من الياسمين...لا ترحلي..لا ترحلي، لا ترحلي...... فإني اليتيم أصبحت، لا ترحلي حبيبتي فإني المسكين أمسيت.. أزينب لن أبكيك و لن تنزل الدّمع من عيني لتحرقك.. بل سأكتبك ليلا بعد ليلة في السطور و بين السطور.. في الحرّية و الكرامة و في الحرب التي أخطوها مع قاتلك.

لم تغادر زينب البيت الذي بنيته من أجلها بل أزادت حديقتي جمالاً بقبر زينب... و
زرعت حولها الورد الأحمر و وضعت إناء من الماء حولها.. و كانت العصافير عند رأسها تزقزق و ترفرف.... و أخذ قيس مكانه عند قدميها و لا يجلس إلا إليها عند غيابي و كم سال الدّمع من عينيه.... أذبل قيس دون أن ينبح.. دون أن يتأوّه دون أن يتألّم ليتألّم بتألمّي...مات السلطان و زينب في نفس اليوم...لم يصلني الخبر إلا عندما عدتُ إلى عملي في الجامعة فقد أعلمني بذلك طالبًا لي.. فقلت قد يكون مات منذ زمن بعيد شهرٍ أو شهرين و لكنهم لا يعلموننا بذلك حتى يستوي الحال عندهم و يرتبوا أمورهم و يُعيّنوا سلطانا آخر..إنّ الموت عند السلاطين أمرٌ عسيرٌ علينا فهمه فلا نعرف من هو السلطان في الحقيقة بل كثرت السلاطين هذه الأيام. و ربما قد يرحمنا الرحمان بسلطان عادلٍ و حليم تعجّب هذا لطالب من كلامي و قال أنت ضدّ السلطان سِيدي.. قلت بلى و ما العيب في ذلك فأنا أفهم الأمور بطريقة و هم يفهمون بطريقة أخرى و كنت قد علّمتك الدينامكية.. إن عياب الدينامكية الفكرية داخل سلطة ما تعنى التسلّط و غياب العدل و الحرّية و...تركت الطالب.. يتخبّط في مفاهيمه و خرجتُ من القاعة على البيت.. غير أنه جرى نحوي و قال سيدي إنّ كلامك ممتعًا، أودّ أن أقول لك خبرًا آخر.. قلت أبشر: قال إنها البشرى الكبرى لقد جاد علينا الإله بسلطان شابٍ و خدومٍ دارسًا العلم و لآداب و متخرّجًا من الكلّيات الكبيرة في العالم و متحصل على الدكتوراه في القانون و الفلسفة والجغرافيا و الفيزياء و الرّياضات و الإعلامية و علم النفس و الاجتماع.. و لم يدرس إلا الطب.. قلتُ.. أيكون أفلاطون أو سقراط و كلاهما لا يفقه في كل هذه الأشياء، فمن أين كانت له كل هذه المعارف قال الطالب لقد خبّرَ عليه في كل الجرائد و الرّاديو و التلفاز قلت يا ولدي هذه أبواق قديمة أكل عليها الدّهر و شرب و لم تعد لتقضي حاجة الناس و لكن هي في خدمة السلطان فقط.. فإنّها أبواق كاذبة و الحقيقة لا يعلمها إلا المقرّبون من السلطان.

سيدي إن السلطان أبنك قيس.. قلت انتهى الحديث يا ولدي عد أدراجك إلى القسم.ماتت و لم ترى ابنها سلطانا.. ماتت حبيبتي و لم تحتضن السلطان.. ماتت.. و كم تمنيت أن أموت أنا حتى لا أرى السلطان.

لم تمضي أسابيع حتى دعاني السلطان إلى قصره.. أ أرفض الدّعوة؟ أم أقبل و أتدجّنُ كغيري.. السلطان ابني و لم يبقى في حياتي إلا بعض السنين فأعيش في قصر السلطان و عفا الله عمّا سلف جلست إلى مكتبي طوال ليلة كاملة و قيس لم ينم و أنزعج كثيرا بين ابني و قاتل زينب و أنا الذي أمضيت حياتي هدرا في البحث عن الحرّية و الكرامة بين العذاب و الإرهاق بين الأحلام و الأوهام.. ماذا أنا فاعل بنفسي و بقيس أ أواصل العصيان و النضال من أجل هذا الوطن و الأطفال أم أذهب إلى السلطان و أصبح دجاجة.. خرجتُ إلى الحديقة لأسأل زينب و أستشيرها فوثبَ عليَّ قيس من الخلف و أرداني أرضًا و قال:

"هل تخون الحرّية و الكرامة و تخونني و أنا الكلب أتتساءل في هذا الموضوع فلا حديث معك بعد هذا اليوم و إنّي لأرديك قتيلاً هذا الصباح.. اعلم أيها الشيخ أنّ حياتك مضت و إن آلامك مازالت في ظهرك و جرحك الأبدي في حديقتك مدفون و أنّك تموت بين القمامة.. فأحرق جميع كتبك و أحرق جميع كتاباتك قبل أن تدخل القصر...و اعلم أيضًا أنك تفنى إمّا آجلاً أم عاجلاً و أن الحرّية و الكرامة أبديتان وان النخل و الشجر و البحر و الجبل يعيش بنفسك فأن أردت أن تحرق هذا الوطن
فأذهب إلى السلطان و خذ نصيبك من الدنيا و عيّن رجال الأمن و الضبّاط و فرّق بين الابن و البنتِ و بين الأمّ و الصبيّة و قسّم الناس عروشًا و قبائل و ازرع الخوف بينهم و أكثر من وشاتك و عيّن الدّواجن على رؤوسهم و راقب الداخل و الخارج و افتّك جوازاتهم و شد الناس من بطونهم و احرم العباد من حرّياتهم و ركعهم جميعا إلى أقدامك...و أن رأيتُ رأسًا قد أينع و حان قطافه.. واعبث بأموالهم و أراضيهم فالحرّية و الكرامة شيئان لا صلة لهم بالسلطان و حاصرهم في أفراحهم و أحزانهم و اطلب رخصهم عند سفرهم و اجمع الجزية عنهم إن أرادوا الأمن و الاستقرار.. فأنت السلطان الآمر الناهي و لا حاجة لك بالعباد إلا من أطاعك و سجد لديك و قدّم لك المال و البنون.. فرّق بينهم بين الشمال و الجنوب و بين الغرب و الشرق و لا تثق في كلب منهم، فأنهم يريدون رأسك.. و احجب عنهم الشمس و القمر.. و احجب عنهم مثقفيهم أطبائهم و مهندسيهم .من أين لك هذا قيس الكلب و كيف فهمت ما قرأته لك اعلم يا قيس.. إني الفتى و إني الفتيُّ و إنّي أحلم بالحب و بالكرامة و الحرّية و إني لناشدهما حتى الموت و لن أتخلى عن حرف منهم و إني لقاتل لقاتل زينب. استعد يا قيس فالحرب نحن لها و لنخلّص الوطن من الخزي والعار و لنموت معًا من أجل زينب الحريّة زينب الكرامة...زينب و فيروز.. سندخل القصر إذا و نقترب رويدًا رويدًا من السلطان و ندخل في المحور في قلب السلطنة فأننا كنّا تمرنا على الكرّ و الفرّ.. و لي طريقة جهنّمية.. و قف معي يا قيس فإني سأكون لك وفيًا و إن مت فقم بدفني لا بل بحرقي و انشر رمادي على التين و الزيتون. غدا سنذهب إلى القصر.. و ندخل على السلطان و نسمع ما يقول. دخلتُ القاعة الكبيرة بعد ما تخلصنا من "العساسة" وقف السلطان أمام الجميع و قال: "حضرات المستشارين أودّ منكم أن تكونوا على انتباه تام و أن تتحملوا جزءا من سلطنتي و أن تعطوني النصائح و تشيروا علي لإدارة العباد ـ هذا الوطن يمر بمرحلة حرجة و يجب أن تتكاثف الجهود حتى يستتِبّ الأمن".

أصبحت إذا مستشارًا لدى قيس الابن و دخلنا و العسسُ من كل مكان. مساءًا رجعت إلى البيت منهكَ القوىَ و لم يتبين لي ماذا سأفعلُ. و كعادتي جمعت الياسمين و أوراق التين و غصن الزيتون و وضعتها على قبر زينب و جلست إليها أحدثها عمّا يجري و ما قد يحصل لي و قيس. و في لحظة من اللحظات قلت لقيس الكلب، أتعلم يا حبيبي أنّ الحياة فرصًا و قد تمرّ أمامك دون أن تشعر.. و ها هي الفرصة أمامي.. و لماذا لا أكون سلطانًا و أُمثل القانون و أنا الفتوى و أنا الدّين ولا دين خارج الدولة و خارج السلطنة و أقوم بواجبي فأكون بذلك ضامنًا للحرّية و الكرامة للجميع.. و لما لا يا قيس أليس من حقي أن أحلم بأن أكون سلطانًا أم أنّ السلاطين تولد سلاطينًا. الآن و هنا، قال قيس الكلب:.. انك أصبحت تتمرّد و لا تعقل ما تقول لكي تصبح سلطانًا و جب عليك أن تكون صاحب مالٍ كثير و جاه كبير عند التجار و رؤوس الأموال و أن تكون لك شبكات كبرى للجسوسة و جمع المعلومات.. فأنك قد انحرفت على الطريق كما أنحرف ابنك منذ زمان ـ غير أنه عرف كيف يصل إلى مبتغاه و أنت اخترت طريقًا طويلة و لما لا تكون مسدودة.. أنت لست بعيدًا عن القصر و لكنّك بعيدا على العرش ومن المستحيل أن تجلس على كرسي القضاء و لك في رأسك جميع ثورات العالم.. فأنّ لكل شعب تجربته و لكل ثورة عملها و فلاّحيها و منظريها و أنت مفتقد لكل هذا، للجميع، فلا فلاحين و لا عمّال و لا منظرين حتى يستطيعوا إيجاد قاعدة نضالية ثابتة أمام الوصاية الخارجية و الداخلية....... قلت واصل.. واصل...حديثك فمنذ زمن بعيد لم أستمع لمثل هذا الحديث، إني بحاجة إلى تعديل توقيتي و بوصلتي..قال قيس هل تعتقد أن الثورات وفت بوعودها لشعوب العالم و هل يوجد اليوم الفرح و الحب في كل عائلة على وجه الأرض رغم تعدد الثورات و المنظرين.. أن الثورات جاءت في زمن معين و في طبيعة اجتماعية و اقتصادية معيّنة.. اليوم مازالت بعيدًا على مفهوم الثورة لأنّ التراكم مازال صغيرًا و أن كنت قد قمتُ بانقلاب فهو تنفيس لا أكثر.... يعني أسبوع و أسبوعين و ترجع المياه إلى مجاريها كما كانت.. يا صاحبي أقول لك أنت أيها القاضي تنشد الدّوام للحرّية و العدالة و عدم ارتباطهما بشخصية معيّنة، حتى يصبحا ورثًا لهذه الأمة و الإنسانية جمعاء..لذلك وجب عليك.. إيجاد تحاليلٍ جديدة و أساليب جديدة.. أن مشكلك إنسانيُ يعني لقد ضرب الإنسان إلى درجة فقد فيها الثقة في كلّ كلام و في كلّ فلسفة و فقد الثقة حتى في الدين و الأئمة.. يا صاحبي، وجب عليك بناءٍ جديدا للإنسان.. و هذا البناء يتطلب منك عملاً شاقًّا مرهقًا ليلاً و نهارًا.. فلن يسمعك الفلاح الجائع و جيش البطالة و عمّال بدون حقوق...قلت و ما هو الخلاص وكيف أستطيع أن أبني مسرح الحب و الحرّية.. قال قيس أن القصور لا تبنى في سنة واحدة و لا في قرن واحدٍ.. بل ضع أنت حجرًا و ضع ثانيًا و سيأتي الآخرون بحجرٍ آخر.. و هكذا دوليك إلى أن يُشيد عندكم قصر العدالة و الحرّية و نعيش معكم نحن معشر الكلاب.. قلت: أموت و لا أتذوق طعم الكرامة ـ أموت و لا أتذوق طعم الحرّية.. أموت و لا أعرف عنوانًا للعدل.. إنّك قد وضعت سدًا بيني وبين الحياة بكلامك هذا.. دعني و دع الناس تنزع سراويلها للسلطان.. و قل لي لا وجود لخيال ولا وجود لأمل إلا بعد زمن بعيد.. قل للفلاحين أن لا يزرعوا أراضيهم و قل للتجار أن يغلقوا مخازنهم فإن أبواب الحرّية و الكرامة لن تفتح إلا بعد 100 سنة.. لن يفهمك الطلبة و لن يفهمك التلاميذ و لن يفهمك جيش البطالين.. لن تفهمك الصّبايا و لن يفهمك السيّاح و لن يفهمك ضيوف السلطان.. أنهم ينشدون الحرّية و يرقصون الكرامة و أنت أردت منّي أن أنتظر حتى يأخذ جميع الشعب الشهادات العليا و يُخلق عندنا المنظرون و الكتاب و بعد ذلك نفكّر في الحرّية و الكرامة استمع إليّ جيّدًا يا قيس وجب عليك.. ليس فقط أن تقرأ الكتب ولكن يجب عليك أن تحلّل الواقع و تتروّى منه، وتجد الحلول المناسبة في الوقت المناسب يجب و قلت يجب على الصحافة أن تكتب الصدق و الأمل و تخبر الناس بما يجري و ما قد يحدث لهم.. يجب على الجامعة و الكلّية أن تكون قريبة من الفلاح و
العامل و يجب أن تنظم جميع القطاعات في نقاباتٍ و مؤسّسات خارجة على السلطان و مستقلة استقلالاً تامًّا اقتصاديًا و أدبيًا.. يجب إكثار الجمعيات المستقلّة الغير تابعة للسلطان يجب أن يحدث عندنا حوار وطني بنّاء تقف وراءه جميع الدكاترة الذين لم يربطوا بعد خيولهم.. فالتاريخ لن يرحم أحدًا يجب أن يصمد الجميع فلم نعد نتحمّل القمع و "الغورة" و الدسيسة يا قيس هل تقف معي في معركتي مع السلطان و الدولة..... قلها... نعم أولا.

قال قيس بلى و لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت.. و لكني أبلغتك)رأيئ( و أعرف أّنك
القاضي و مستشار السلطان... و صاحب نعمتي... قلت : يا قيس أنت ستصبحُ قلب
الثورة و قلب البطولة...قال قيس: هذا يعني أنك لا تخاف الموت و السجن و الحصار قلت لقيس: الموت الذي أخذ زينب لا أخافه بل تراجع أمامي و خرج دون أن ينتظرني.. الموت أجمل قصيدة للحياة.. فلا وجود لحياة بدون موتٍ و إني لفاتح ذراعي لاستقبال عزرائيل.. نحن اليوم لا نعيش و لكننا نحي أذلاء.. فالموت يا صديقي حقيقة ثابتة و لا يخافها إلا الذين ليس لهم سبب للعيش.. قلتَ السّجن... نعم السجن للمجرمين و أنا لست مجرمًا في حق أحد.. و إن دخلت السجن فقلمي سيبقى أبديًا و سينشد الحرية كاتبًا راقصًا للصبايا و مع الصبايا.. لا أخاف السّجن و لا أخاف الحصار و لا أخاف الجوع و لا أخاف الموت أحببت هذه الأرض و هذا الوطن بكل صدق و لا شيء يخيفني إلا المرض و العجز لهذا الوطن. اعلم يا قيس أنه بدون تضحيات و بدون موت لن يحدث شيء، و أموت و تموت و نموت جميعا بين القمامة.. أنا لا أريد أن أموت بين القمامة و هذا رأيي.. أما كيف سيحدث هذا فالله و رسوله أعلم. لننم هذه الليلة فإني تعبت كثيرًا و غدًا لي موعد مع السلطان.. على الساعة العاشرة صباحًا، أمّا أنت فيجب عليك أن تقوم ببرد أنيابك فإنّها ستكون أداتي. لقصر السلطان وجهين.. وجه للموظفين و المستشارين و وجه آخر للتجار الكبار و رؤوس الأموال و إني قد فهمت أنّ جميع الدسائس و القرارات تأخذ من الوجه الثاني على ضفاف هذا المسبح الكبير مع كبار رؤوس الأموال و الإقطاعيين... أمّا وجهنا وجه المستشارين فهو صوريٌ و قد استمعت أن السلطان لا يستشيرنا إلا في بعض الأمور التافهة التي لا صلة لها بمشاكل الوطن و أكثرها لها صلة بالبروتوكول.. و البروتوكوليات و كأنّ المستشارين أصبحوا مخرجين مختصّين لدسائس السلطان حتى تكون جميلة و أنيقة و جاهزة للطبع فلم أستمع يوما حديثا على الحرية و الكرامة عن حق الأجيال القادمة في تناول السلطة.. و القيام بشؤون العباد و البلاد.. و لم أفهم من معنا و من ضدّنا.. إني في قلب العصابة.. و لم أتعوّد على الكذب و الخيانة و لن أخون وطني.فما عسى السلطان أن يقول لي و أنا مستشاره في أمر القضاء...ماذا يريد أن أشير عليه و هو لا يفقه كلمة من القانون و احترامه... دخلت مكتب السلطان و كلي ثقة بنفسي فهو ابني و يجب عليه أن يستمع لي قبل أن استمع له.... و لي الحق في ذلك بحكم الأبوة.

وقف السلطان أمامي قائلاً.. مرحبًا يا أبتي.. اجلس فلي حديثا معك و أريد أن تشير عليّ في هذا الموضوع... و مدّ لي ملفًّا يحتوي على ورقة واحدة، واصل السلطان كلامه قائلاً... هل يسمح لي القانون بأن أتزوّج بأجنبية و كيف يجب أن يكون الحلّ فإنّي قرّرت الزواج... قلت و لمذا أجنبية و هل لا توجد عندنا نساء... أمّا قانونيًا فليس لك الحق أن تتزوّج بأجنبية و أنت في هذا المنصب و لا أرى حلاً إلا بعد أن تطالب بشرعيتك أوّلاً و ثانيًا أن تستشير العباد في السماح لك بالزواج... قال هل تشكّ في شرعيتي أنت؟ فقلت أنت ابني الشرعي و لستَ سلطان شرعيًا و لن يكون لك هذا إلا بعد أن يختارك العباد قال: اتحادهم جميعًا و إني استمدّ شرعيتي من مالي و جماعتي و من أصدقائي و ما زواجي بأجنبية الا لمصلحة الوطن... قلت: الوطن مصلحته في العدالة قال و هل لا تراني عادلاً يا أبتي قلتُ و لماذا ثارت عليك القرى و الأرياف... الطلبة و الموظّفين و ماذا أنت فاعل بهم... قال دعني من هذا الحديث... أريد منك أن تكتب لي مشروع قانون لتزويجي... انتهت المقابلة.. تفضّل فلي مواعيد أخرى ..... وقفت حاملاً معي الملف و في حلقي ألمٌ و علقمٌ.

وقفت بي السيارة أمام منزلي لأوّل مرّة قبل منتصف النهار.. لم أتعوّد الرجوع
باكرًا إلى حديقتي فخرج قيس كعادته و استقبلني في باب الحديقة مسحت على ظهره و
دخلنا البيت دون أن أجمع باقة من الياسمين لزينب فلم أستطع الجلوس إلى مكتبي
إلا و خرجت للحديقة جامعًا الورد و الياسمين و جالسًا إليها.. كان الملف معي فتحته و قرأته.. لا شيء جدير بالذكر إلا أنّ السلطان كان يعتزم التغيير في بروتوكول زيارة وزيرا للعدل لأحد الدّول.. هذا لا يهمني كثيرا و لم أقص القصة لزينب و لم أحدثها فيما يستشيرني هذا السلطان فموضوع اليوم بالنسبة لي هو زواج السلطان فأخبرتها بذلك.. و كم كنت أتمنّى أن تكون معي لتزويج ابنها فلقد كانت جهّزت له كلّ شيء منذ كان صبيًا فدخلتُ البيت و فتحتُ خزانتها و مسحتُ على جهازه فسالت دمعتي و شعرتُ ببردٍ شديد فارتميتُ على السرير دون أن أشعر بذلك.. قفز قيس إليّ و مسح على رأسي.. كان الدمع قد سقى الفراش مدرارًا.. فنبح قيس و كأنه يقول لي.. قف يا هذا فالوصاية ليست بعيدًة و قد يباع الشاطئ الذي شريت منه زينب علقمًا...نهضت كالمسعور من غرفتي و مسحت الدّمع من عيني كانت لحظة ضعف.. فقرّرت وجود نقطة ضعف قيس السلطان......... ابني و لا أعرف كيف سيردّ عليّ.. و لا أعرف كيف سيجيب و لا أتوقّع ردّ فعله.. يجب أن أبحث على هذه النقطة قبل كلّ شيء.. أخرجتُ جميع الصّور و جميع أشرطة الفيديو و أفتّش عن لقطة ...عن حركة ما كان فيها هذا السلطان ضعيفًا أو بعينين ذابلتين.

عندما تحرّك قيس و نبح.. رأيتُ بنتًا في وسط الشاشة و في اللقطة الثانية رأيتُ
قيس الابن يقترب منها و يأخذ بيدها.. فانطاعت له و جريا معًا على الشاطئ... أعدتُّ مشاهدة الشريط مرّة و مرّة أخرى.. حتى تيقنت من الفتاة و ربما لن تكون بعيدة عن منزلنا.. و ربما كنت قد رأيتها من قبل.. و توالت الصّور.. بسرعة البرق
و أنا صاحب ذاكرة مرئية خارقة للعادة....... يجب أن أجد هذه الفتاة يجب خلقها و
سآخذها معي كمعينتي و كاتبتي الخاصّة فرأس الخيط بيدها.. يجب أن أجد هذه الفتاة في ذاكرتي في كتبه في رسائله فهو لم يأخذ شيئًا معه منذ خرج من المنزل رجعت الى مكتبه و كان قيس يشتمّ جميع الأوراق و الرسائل.. و يقلّب عن آثر يربطني بهذه الفتاة.. فتحت كتاب التاريخ و نفضته فسقطت صورتها.. جمال و أي جمال.. شفاه و أنف كالحمامة و جبين و حاجبين.. قلبت الصورة و ما راعني إلا و هاتفها.. فقفزت إلى السقف و كدت أطير فرحًا.. لقد وجدتُ السلطانة لقد وجدتُ العروسة.. فخرجتُ أجري إلى زينب و أخبرتها و قلتُ: لتعلمي حبيبتي أن زوجة ابنك أسمها أيضًا زينب و إن ابنك ربما اختارها لأسمك حبيبتي، إني وجدتُ رأس الخيط.. وضعتُ الصورة في جيبي و أحكمتُ غلقهُ...جلستُ حينئذٍ إلى مكتبي و أخذتُ الهاتف.. و طلبتُ من كاتبي في القصر أن تتصل بكلّ القضاة و أن يلتحقوا بي في بيتي و أن تعلم بروتوكول السلطان بذلك... و بعد ذلك اتصلت بعدّة من طلبتي في القانون و طلبتُ منهم أن يأتوا عندي هذا المساء.. كنت أخذتُ منهم النجباء فقط و كانت بينهم طالبتان...كان موعدنا على الساعة السابعة ليلاً بمنزلي خرجتُ و قيس إلى الحديقة و قمتُ بقص العشب و رشّ الياسمين و العنب.. كما جلستُ إلى قبر زينب و أخبرتها بالأمر.. أمّا قيس فقد نبش الأرض تحت الزيتون و تحت شجرة التفاح. رأيته سعيدًا قافزًا محرّكًا ذيله و أذنيه.. و لعب كثيرًا مع رأس زينب.. فتركته و حاله.. فهو يعلم أن زينب تحبّه و تكرمه.. أكرامًا لا مثيل له....رنّ الجرس ففتحتُ الباب.. كان قد وصل القضاة و وصل الضيوف.. ففرح بهم قيس و سبقهم إلى الصالون واحدًا واحدًا.. جلسنا إذا إلى طاولتي المستديرة و بعضًا منّا خيّر الجلوس على المنضدة.. غير أنّ كبير القضاة قال فلنجلس جميعًا أرضًا ونكون بذلك قد عدلنا و أصبنا... قلت : لا أرى مانعًا في ذلك.. أمّا أنتم أيها الطلبة فقد دعوتكم لتشهدوا في مسألة هامّة.... أمّا القضاة فهم بيننا لدرس مشروع قانون تزويج السلطان.. قلتُ: إذا فتحتُ الجلسة باسم الله الرحمان الرحيم ـ الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ـ صدق الله العظيم. الموضوع :

هل للسلطان الحق في أن يتزوّج بامرأة أجنبية و كيف ذلك..؟

أردتُ أن أضيف أيضًا أن لا تعتبروني أبًا للسلطان و لا مستشارًا له و حكموا القانون و قارنوه بغيره و كلّكم قضاة و لكم تجربتكم الخاصة.. أنّ الأمر يتعلّق بالسلطان لا بإبني....

• استوى كبير القضاة و جلس على ركبتيه و قال أن ملوك روسيًا تزوّجوا من ملوك جرمانيا و إن ملوك النمسا تزوّجوا من ملوك أنقلترا.. و هذا الأمر وجد تاريخيًا و ليس غريبًا على الإنسانية و ما نحن إلا عنصر من عناصرها.. و يمكننا إيجاد مشروع قانون يخول للسلطان بالزواج من امرأة أجنبية.. و الله و رسوله أعلم.
• استوى قاض على يميني... و قال.. أن القانون الحالي لا يسمح للسلطان بالزواج بأجنبية و لكن القانون ليس قرآنًا حتى لا نستطيع تغيره فأنا لا أرى مانعًا في إيجاد مشروع قانون يستطيع به أن يتزوّج.. فلا نستطيع أن نمنع السلطان من الزواج و إني أرى أن القانون يجب أن يكون في خدمة السلطان و ربّما زواجه بها ما هي إلا مصلحة للبلاد و العباد...
• استوى قاض على يساري و قال... أنّ الزواج لأمر ضروري للسلطان و بغيره لن يستطيع أن يحكم البلاد.. لأنّه يفقد توازنه النفسي في غياب زوجة أجنبية كانت أم من بين نسائنا. فلا أرى مانعًا من تزويجه بأجنبية...أعطيت الكلمة لطالبتي و قلتُ ما رأيكِ... تكلّمي بدون خوف و لا تخجلي.. تفضّلي
· استوت و قالت: أمّا السلطان فأني أعرفه جيّدا و أنّه لا يحبّ هذه الأجنبية بل
قصة حبّه كانت أشهر القصص في المعهد مع زميلتي هذه زينب... نظر الجميع إلى البنت الجالسة حذوها.. و وضعت أنا يدي على صدري يعني على صورة زينب... خجلت هذه الفتاة و قامت ولتخرج من الجلسة في اتجاه المطبخ... قلتُ لطالبتي واصلي حديثك... استوت مرّة ثانية و قالت... أنّ زواج السلطان لا يسمح به القانون ......والقانون يجب أن يكون فوق السلطان و فوق القضاة و فوق الجميع...و إني أرى إن زواج السلطان لا يجب أن ينظر إليه من الناحية الفنية فقط... بل من الناحية السياسية للبلاد.. و ان السلطان قد يكون فرض عليه أن يتزوج من هذه الفتاة الأجنبية أم قصّة حبًا بينه و بينها فأمر يكاد يكون مستحيلاً لأني أعرف أنه رسم على صدره اسم زينب... انتهى

تنهّد جميع القضاة و تنفّستُ الصّعداء و قلتُ ما ردّكم على هذا التدخل...استوى كبير القضاة و قاضي القضاة و قال... أنّ حديثنا على تزويج السلطان و لا على قصة حب السلطان.. الأمر يتعلّق بمصالح دولة و سلطنة فالفرق كبير بين الزواج
و الحب.. نحن نريد أن نحافظ على مؤسّسات الدولة و على الأمن و الاستقرار بتزويج السلطان هذه المرأة.. و مصلحة الوطن هي من مصلحة السلطان و لا أرى سببًا المواصلة الحديث فقد قمنا أنا و ثلة من زملائي بتجهيز مشروع القانون و تغييرالدستور و لم يبقى لك سيدي المستشار.. إلا أن تمضي لتزويج سيدنا السلطان...انتهى...وقفت.. فوقف الجميع و قلتُ أنّ الأمر هنا يتعلّق بتزويج ابني لا بالسلطان و حتى و إن كنت تراجعت في كلامي فالأمر هنا يا حضارات القضاة يتعلق بابني و إني أرى أنه يجب أن يتزوج على قصة حب كما تزوج أباه.. أمّا الأمن و الاستقرار فهو لكم أنتم و ليس لأبني.. أنتم لستم قضاة... انتم قتلة أنتم مجرمون انتم القصصة و انتم الجلادون فلن امضي هذا المشروع و لن اترك ابني يتزوج فتاة دون زينب اعلم يا قاضي القضاة انك فشلت و انك تموت بين القمامة و أنك لا تعرف القانون و لا الدستور و جعلت من البلاد فريسة لك و للسلطان...فلتخرج من بيتي في الحين و إلا فإن قيس سيرديك قتيلاً... فأني شاعرٌ قبل أن أكون سفاحًا.. تفضلوا جميعًا إلى الباب...خرج جميع القضاة و خرجت الطلبة و لم يبقى في البيت إلا زينب طالبتي.. دخلتُ المطبخ و قلتُ أهلاً و سهلاً و البيت بيتك و هذه صورتك و جدها في كتاب قيس و إني لطالب منك أن تقفي إلى جانبي حتى نصل إلى حل يرضي الجميع فأنتِ يا بُنَيّتي قد تنقذي البلاد و السلطان.. فقالت إن قيس فارس أحلامي و لم أخن هذا الحب و إني كنت سببًا في انحرافه عندما كنا شبابًا فأنا التي طلبت المستحيل و طلبت الذهب و الفضّة و طلبت القصر و المسبح.. و أنا التي طلبت منه السجود و الرّكوع إلى قدمي و أنا السبب في دخوله عالم المخدّرات و الإجرام و إني لطالبة منك الصفح عني لأني لا أعرف كنه الحبّ بل لا أعرف إنني كنت مع عنترة و انه أن يراني لقتلني.. قلتُ لا بل أطلب منك أنت الصفح أنا الذي قتلته و هو شابًا.. أنا الذي لم أفهم شيئًا و حاصرته و حرمته من المال و من الحب.. أنا السبب... أنا السبب في قتل زينب في قتل أمّه...يا زينب..إن الوطن يناديك و أنت لتصبحين عروس القصر..و ستكونين معي غدًا في قلب السلطان و تسلّحي بحبّك فنذكره بزمانٍ كان الحبُّ فيه دينًا.. يا بُنيتي لا تخافي و قفي معي ضدّ اللصوص فبولدي بلاءٌ و أنت الدّواء... غدًا صباحًا.. نكون إما من الفائزين و إما من الفارين.. هذا الوطن تديره عصابة من القضاة و الوشاة..و أبني لا يفقه شيئًا بل أظنّ أنّه جيء به إلى القصر لتمرير مؤامراتهم و لفكّ الأرض من فلاحيها و افتكاك المتاجر من أصحابها و ربط لسان الصحافة و تسييج الجامعات و الكليات...أنتِ على موعد مع عريسك و إني سأخطبنك من أبيك و إني أطلب منك أن تطلبي مهرًا.. و هذا المهر يا صبية أريد أن يكون شرعية ابني في السلطنة.. أظنّ انّك قاضية و تفهمين ما أعني هنا الحبُّ و الوطن واحد... و أنتِ لك اثنين فطالبي بشرعية ولدي في الحكم...كمهرا لك....و انتبهي جيّدًا إلى اللّذين قد يصفونك بالخيانة ويصفونك بالانتهازية أنتِ عروس هذا الوطن و لستِ عروس لقيس و لا للسلطان.

دخلتُ على كتابتي و زينب إلى جانبي وطلبتُ منها أن تطلب من البروتوكول على أني بأشدّ الشوق إلى سماع السلطان.. طلبت في الحين و أخذت لي موعدًا على الساعة الثانية بعد الزوال مع ابني. دعوتُ زينب إلى احتماء الشاي و حدّثتني عن طلبتي ....حدّثتني على الجامعة و مشاكلها و عن المدرّسين و عن الإضرابات و عن الحرس و الضباط و عن السياسة داخل الجامعة و كيف أصبحت ـ عن الشيوعيين و الاشتراكيين عن المسلمين و المسلمات .....و أن الجامعة قد تصبح روضة أطفال عمّا قريب.كنت أنتظر بفارغ الصبر مرور هذه الساعة من الزمن حتى أكون وجه لوجه مع السلطان و أتبين من حسن تدبيري أم أنّه يصمد كالحجر و يضرب بكلامي عرض الحائط و يواصل في تمرّده على القانون و القوم.. لم أستمع كثيرًا إلى كلام زينب و كنت منشغلاً في تفكيرٍ عميق فلم أستمع إلى شيء إلا و رأيتني قد شربت ثلاث من أكواب الشاي و كانت زينب صاخبة تحدثني و أنا بعيد عنها ... بين الهضاب و الرّوابي و على الشطوط و في قلب القرى...و أتحدّث إلى الفلاّحين و جيوش البطالة.

كانت الساعة الثانية... دخلتُ و زينب إلى مكتب السلطان.. فأغلقتُ الباب ورائي... و ما عساني أرى.. إلا السلطان قد تحمّل زينب و قال لها.. أين كنتِ منذ 15 عشر سنة.. إلى أين و أين ذهبتِ كنت فتّشتُ كلّ الجامعات و الكليات و لم نعثر عليكِ.. لم أنساك و لم أتخلّى عنك يومًا فالقصر قصرك و قلبي بين يديكِ.......قلت و الآن أيها السلطان هل تريد أن تتزوّج بالأجنبية.. قال و زينب أمي و زينب حبيبتي لأفتحنّ باب جهنّم عليهم.. قلت يا ولدي أنت سلطان إلا في قصرك و في مكتبك هذا و هم ينعمون بالشواطئ و الرّوابي و القرى بالعنب و الزيتون و أن سلطانهم يمتدّ على كل البلاد و قد أشاروا عليك بالزواج من فتاة لا نعرفها إلا لخدمة مصالحهم و تقصير يد سلطانك و أنهم أتوا بك ها هنا لتمرير مشاريعهم فلا أظن أنك أعلمت السادة القضاة بزواجك..قال نعم يا والدي.. قلت هذه القضاة.... هؤلاء القضاة..... جاؤوني بمشروع القانون حاضرًا و هذه نسخة منه فأن أردتَ فأمضِ أمامي و مت بين القمامة دون زينب... فأمك ماتت من أجلك و قد تقتل زينب هذه عروسك وقصة حُبّك..يا ولدي أنت ترأس عصابة و على رأسها القضاة فماذا أنت فاعل بهم.. قال : يا والدي من اليوم فصاعدًا ـ أنت تصبح قاضي القضاة أمّا زينب فقد دخلت قصري هذا و ستصبح زوجتي هذه الليلة..... قلتُ: لا.. لن تصبح زينب زوجتك إلا تطلب مهرها بنفسها.. فقال اطلبي يا زينب مهرك.. اطلبي الطائرات اطلبي المطر فإني لواجدها لك ... قالت: لن يكتب كتابي إلا أباك و إن مهري شرعيتك في هذا المكان فلقد جيء بك هنا و أنت تحكم الناس بدون أن يختاروك أنت مسلّط عليهم.. و عندما ينادي الناس بك أصبح زوجتك.. و إنّ حبي لك لم يمت أبدًا و كنت قد حافظت عليه إلى حدّ الساعة قال: لقد وضعتم رأسي بين المطرقة و السندان و إني فارس منذ زمان و لا أخاف القوم و لا أخاف القانون أمام عيون زينب.. يا قاضي القضاة.. متى ستشير عليّ بالبحث على الشرعية فإني لها و لكم.. و لكن أترك زينب في القصر..قلت لن ترى زينب لن تمسّها إلا و قد وضعت نفسك في الميزان.. و إني لمشير عليك بما يجب أن تقوم به.. للبحث عن شرعيتك ـ مهر زينب...خرجتُ و زينب قاضٍ للقضاة و كنت قد دخلتُ القصر مستشارًا.. الحرّية و الرّمح و القرطاس و القلم بيدي.. فقلتُ لزينب هيّا بنا إلى الجامعة فإنّي مشتاق إلى طلبتي و كانوا 50 نفرًا منهم 10 نساء...دخلتُ قاعة الدّرس فطلبتُ من الأستاذ أن يسمح لي بالتحدّث لهم.. فقال زميلي إني كنت قد انتهيتُ من الدّرس.. فتفضّل بالدّخول.. جلست زينب إلى مكانها.. و أخذتُ مكاني و قلتُ قفوا جميعًا و لا أريد أن أستمع حتى إلى وشوشة ذبابة واحدة.. فالأمر خطير و ما سيحدث اليوم قد يغيّر مجرى حياتكم جميعًا فلم يبقى لكم إلا شهرًا واحدًا لتصبحوا قضاة ها أنا أصبحتُ قاضي القضاة و قد أعلمكم اليوم بأني أبا السلطان... و أريد منكم أن تقفوا معي من أجل هذا الوطن لإرساء قواعد العدل و الحرّية فأنتم أمامي لقد أصبحت قضاة و غدًا ستستلمون أوراق اعتمادكم بكل القرى و الأرياف و أريد منكم أن تعيدوا تقسيم الأراضي بالعدل بين الناس.. و توزّعوا الماء على الفلاّحين و ترجعوا المتاجر إلى أصحابها و لا فرق بين سلطان و فلاّح. فأراضي السلطان ترجع إلى أهلها.. فليست له أرضًا غير أرضي التي ورثتها على أبتي. اعلموا جميعًا أنّ الماء ملكٌ لكل الوطن و للأجيال القادمة فاعدلوا في تقسيمه و لو بالدقيقة الواحدة لا تقفوا على سكون فافتحوا الباء في مكانها و اكسروا الواو في مكانها و كنوا واضحين وضوح الشمس و لا تدخلوا مقهى و لا تلعبوا ورقًا و لا تدخلوا ملهى و لا تقبلوا هدية و لا تعطوا هدية و تثبتوا في أحكامكم جليًّا و احكموا أمام الناس جميعًا... و اخرجوا على عين المكان و شخّصوا الجريمة و دعوا الصحافة تكتب و بيوت الله افتحوها جميعًا على مصراعيها.. و علّموا الناس الحكمة.. و في صلاة الجمعة لا تذكروا سلطانًا و لا خليفة فإنّ المساجد لله...إن هذا الوطن أمانة في رقابكم فان انتم أفلحتم فقد نجي أبناؤكم و بناتكم و كل الوطن، و أن أنتم فشلتم و صعب عليكم الأمر فاستشيروا كبيركم.. إني لواقف بكم و لأجلكم أعيد فأكرّر.. قسّموا الأرض بالعدل و الماء بالعدل و أفتكوا الأراضي من مغتصبيها و ارموا بهم في السّجون و لا تخافوا أحدًا إلا الله ثم ضميركم.. إن التاريخ لن يرحمكم إن انتم لم تعدلوا.. و إن انتم قبلتم الهدايا و إن انتم دخلتم المقاهي و الملاهي فهي ليست لكم.. انتم خُلقتم ليُقتدي بكم و يهابكم الغورة و المجرمين. ـ امضوا في سبيلكم فإن الحقل لكم... تزامن تقسيم الأرض و إعادة توزيع الماء بنزول المطر و الغيث النافع فعمّت الخيرات البلاد و نبتت أعشابٌ لم تعرف من قبل و خرج الفلاّحون للحرث و الزّرع و هم مطمئنين على أرزاقهم و بناتهم و كتبت الصحافة مقالات جديدة و طبعت كثيرًا من الكتب و راضت الأرياف و نقص نقصًا كبيرًا جيش النشالين و فرغت المدن من النازحين و لم نجد من يوزّع الجرائد و المجلاّت..و قامت في القصر القيامة....طلب رأسي و طلب رأس زينب.. فذهبت إلى السلطان فقال: ماذا أنت فاعل يا أبتي فقد ثار عليّ الأمن و الجيش و رؤوس الأموال لماذا أعدت توزيع الأراضي و الماء.. و كنّا بخير. إنّ الذئاب قد جاعت و كثرت حولي الثعالب فقلتُ.. يا ولدي أن شريعتك يعني مهرك يوجد عند هذه القضاة الجدد و قد قمنا بما يجب أن يقام به منذ زمان و أنّ الخير عمّ البلاد و كثر الإنتاج و لم نقترض منذ سنتين و عبّدت الطرق و رفعت السدود......و الناس سعداء بتجربة الحرّية و تجربة العدل و انك لن تستطيع أن تتراجع و لا أن تتخلّى عنهم فعيونهم في عيونك و أن أنت تراجعت اليوم فسوف يثورون لأنهم يحبّون الأرض و لن يعطيك أحدًا ما أعطاه خالقه أمّا الذئاب و الثعالب فأنّك كنت منهم. و تعرف جيّدًا كيف تتعامل معهم فأني أشير عليك يا ولدي بأن تفضحهم واحدًا واحدًا أمام الجميع و لا تدخلهم القصور ولا تستشيرهم فإنهم لن يطلبوا رأسك ما دمت بدأت ما كنت فعلت و أن سلطانهم قد ولّى في البلاد و الناس عرفتهم على حقيقتهم، وباستطاعتك أن تتبيّن هذا بنفسك فاخرج من قصرك إلى القرى طالبًا شريعتك من اهلك و ذويك من هذا الشعب الكادح فأنهم قد يقبلوا بك سلطانهم.. و قد طلبتُ من زينب أن تصطحبك إلى جميع القرى و الأرياف لأنّ مهرها يوجد على شفاههم فان هم قبلوا بك فقد زاد سلطانك و لك زينب و إن هم تخلوا عنك فقد حان الأوان لأن تغادر هذا القصر.. و تبحث عن مكان مع الذّئاب.. اعلم أن لا رجعة إلى الوراء، فقد حصل ما حصل من حريّة و عادلة و لن يتنازل أحدًا عن حقوق كان فاقدها منذ زمان...اذهب إليهم و واجه الناس بالحقائق و دسائس القصر.. أم أنّك أن تكون خائفًا من حرسك و جيشك فاذهب وحيدًا متستّرًا بظلام الليل و أشير عليك بأن لا تأخذ معك سلاحًا و لا حرسًا.. فانّ زينب مستعدّة لذلك تركته و شأنه و خرجتُ متّجهًا إلى الجامعة.. أردتٌ أن استمع قليلاً لفيروز.. ففتحتُ جهاز الراديو لأستمع الأخبار.. ما راعني إلا وأن السلطان.. أقصى جميع حرّاسه و قيادة الجيش و بعضًا من رجال الأمن، بإحالتهم على التقاعد المبكّر.. وعاد و قال اليوم لا رجعة عندي على الحرّية و الكرامة و العزّة لوطني و الموت لذئاب الغاب و إني لأزور هذا الوطن قرية قرية ريفًا ريفًا مدينة مدينة و إني على استعدادٍ أن أتخلّى على منصبي هذا من أجلكم، ومن أجل حبيبتي زينب...عدلتُ على الدّخول إلى الجامعة و رجعتُ إلى منزلي و بقلبي فرحٌ و بصدري حبًّا لم أرى من قبله مثيلاً.. لم أستطيع أن أصل إلى منزلي فقد خرج الناس يهتفون بحياة السلطان واتجهوا إلى القصر..مغلقين متاجرهم و حاملين هراواتهم..قائلين..نحن ضدّ الذئاب لا رجعة بعد اليوم.. إلى الأمام لحماية الحرّية والكرامة نساء و رجالاً، صغارًا و كبارًا يهتفون و يرقصون صبرًا ـ صبرًا فنحن للذئاب...دخلتُ باب الحديقة فوجدتُ زينب في فستانها الأبيض واقفة بالباب و بجانبها وقف قيس الكلب في انتظار السلطان.. أمّا شارعي فهو يعجُّ أمواجًا و أمواجًا بالنساء و الرّجال. لم أكد أصل الدّرج الأوّل حتّى أحسست بشيء دافئ يجري بظهري و بانت لي زينب عروسًا ترقص.. و لم أستطع أن أتخطّى الدّرج الثانية حتى سقطتُ أرضًا بين يدي زينب و قيس.. كان الدّم يسيل ليسقي حديقتي والياسمين وطلبت من زينب دفني قرب زينب... كنت استمع لبعض الكلمات و لا افهم.. كنت أرى و كأني في أحلى سكرات الموت و أرى السلطان يدخل باب الحديقة شاهرًا سلاحه.. إني لقاتل قاتل أبتي.. إني لأثأرنّ لك و لقضائك وسأثبتُ كتابتك و دراستك حرفًا حرفًا.. سمعته يبكي وزينب تفتح عيني غير أنّها تغلق.. كانت أعزّ لحظات العمر...لحظات الموت.. إني لم أمت بين القمامة.